النتائج 1 إلى 4 من 4

الموضوع: مسرحية الاسوار......الكاتب العراقي بهجت عبد الغني الرشيد

  1. #1

    مسرحية الاسوار......الكاتب العراقي بهجت عبد الغني الرشيد

    الأسوار

    بهجت عبدالغني الرشيد

    المشهد الأول

    سور القلعة الأمامي ، يتوسطه باب متين .. فوق السور جنود يقطعونه ذهاباً وإياباً ..
    أصوات حوافر خيل تقترب ، ثم يظهر جندي على فرسه ، يتوقف أسفل السور .. ينادي :
    مولاي الملك ..
    من أعلى السور يظهر الملك يرافقه شخصان ..
    ـ ما وراءك أيها الجندي المخلص ..
    ـ مولاي .. آلاف الرجال ، فرسان ومشاة ، بأسلحتهم الفتاكة ودروعهم المتينة ، يتجهون نحونا ..
    ـ فعلها إذن ذلك الأحمق المأفون .. ولكن لا بأس .. لا بأس .. سيرى كيف أنه وجنوده سيتساقطون كالفراش على نار غضبنا ، ذلك الوغد كبليد يفرّ من سنجاب ليدخل عرين الأسد ..
    ثم يطرق لحظة ..
    ـ أين الأمير إذن ؟
    الجندي : رأيته يستطلع المكان سيدي .
    ـ باستطاعتك الانصراف إلى موقعك ..
    ـ مولاي ( ينصرف ) ..
    الملك : ( إلى أحد مرافقيه ) أبلغ الأمير أني راغب في رؤيته ..
    ينحني .. يخرج ..
    وبينما هو يتأمل المدى ويناجي مرافقه الآخر ، إذا بفارس في كامل قيافته الحربية ينادي من تحت الأسوار :
    سيدي الملك ..
    ـ ( مبتسماً ) مرحباً أيها الأمير المقدام ، والفارس الهمام ، يا أشجع الشجعان ، وأمهر الفرسان .. كيف تجد الأمور وجاهزية الجند ؟
    ـ أبتاه .. إن نفسي في انقباض كلما فكرت في الآتي .. هولاً بحجم الجحيم يسكن فؤادي ..
    ـ أهذه أول حرب تخوض غمراتها وأهوالها ، وأنت الذي تقذف بنفسك وسط أعدائك تبيدهم بيمناك ، كرعد قاصف ، وريح مهلكة تشتدّ لتنثرهم كالرماد بعيداً ..
    ـ الصدق ما تقول يا سيدي .. وأزيد عليه أن أعدائي شهدوا لي بذلك أيضاً .. نعم .. فلست أخشى ألف ألف مقاتل عنيد ، وأنا الذي رضعت لبن الأسود ولاعبت الفهود ، يسري في دمي بطولات هيكتور حامي الحمى ومروض الخيول ، وبسالة المقاتل الجبار أخيل .. ولكن هذا القلب الحديدي ليذوب كما يذوب السكر في الماء عندما يتذكر مصارع الأبطال ، وعويل النساء وبكاء الأطفال ..
    ـ ولهذا الرجال خلقوا ، ولهذا النساء خلقن ..
    ـ خلقوا ليدافعوا عن حقوقهم ، عن لقمة عيشهم وحريتهم ، لكنني أخشى اليوم أنهم لن يجدوا ما يدافعون عنه ، وقد باتت حياتهم سجناً خلف هذه الأسوار ، وإني أرى ذلك في نظراتهم البائسة وسيمائهم المكتئبة ، كأنهم يقولون لي ما الفائدة ؟ ولماذا نقاتل ؟ ولمن ؟ إننا اليوم يا مولاي نحارب من أجل أنفسنا وامتيازاتنا ، بينما هم وقد منعت عنهم الخبز والماء لا يجدون شيئاً ليقاتلوا من أجله ..
    ـ ( يتمتم ) اللعنة على تلك الكتب التي ملأت بها رأسك .. وعلى ذلك المعلم الأحمق وقد حشر هذه التفاهات في قلبك النقي ، بدل من أن يعلمك كيف تخدع الناس ..
    الناس .. الشعب .. بني وما أدراك بهم وعن أمرهم .. أنت محارب جبار .. فاترك السياسة لأهلها .. انظر .. تأمل هذه الأسوار العالية المتينة ، تأملها .. هل استطاع أحد أن يتجاوزها .. كلا .. فكل من تجرأ سقط هنا على أبوابها بائساً ، وأرسلت روحه التعيسة إلى الجحيم ، وصارت سخرية للآخرين .. يقولون في رثائه ، إذا وجد من يرثيه ( يقولها ساخراً ) أراد أن يخترق أسوار المملكة العظيمة ..
    ـ إن توسلات ذلك الشاب ما برح تخزّ ضميري وتهمس في هاجسي ألوان العذاب ، وهيئته المصلوبة باتت جزءً من ذاكرتي التعيسة ..
    ـ ذلك المتمرد الخائن .. أوه .. تعرف ماذا فعل ..
    ـ كسرة خبز هو كل ما طلبه ..
    ـ كسرة خبز تؤول إلى تمرد شعب ليست كسرة خبز ، بل لعنة وراء توسل بريء .. هكذا تضبط أمورك ( يقبض كفه ) هكذا بالسوط والسيف ..
    ـ إنهم جوعى يا مولاي .. جوعى .. اللعنة عليّ إذ شهدت كل ذلك وسكت .. اللعنة عليّ إذ لم امسح تلك الدموع الحارة ، وأواسي تلك الآهات المحترقة والنبرات المختنقة ، واستشعر ذلك الصمت القاتل .. ألانهم لا يتكلمون يا سيدي .. نسكت .. أهذه فضيلتنا !
    ـ أيتها الآلهة مجتمعة .. ماذا أصاب قلوب هؤلاء ؟ أي رعب هذا الذي طاش له أفئدتهم ؟ وأنتم الذين فطمتم على مشاهد الحرب ، وكانت أصوات طبولها موسيقاكم المفضلة .. فما الذي حدث أو تغير ؟ بني ( يقولها محاولاً استرداد ثقة ابنه ) وأزيدك طمأنينة عسى أن تغسل عنك هذا الوجوم ، فقد تكلمت إلى الكاهن الأعظم فذكر أن الآلهة جميعها تقف إلى جانبنا في هذه الحرب ..
    ـ الكاهن الأعظم .. ذلك الدجال المنافق ، مصاص الدماء ( مع نفسه ) .
    وللمرة الألف أقول ليست الحرب ما أخشاها ، بل بقايا شعلة تسكن أعماق الناس تصير جحيماً مهولاً إذا ما تركناها دون حل ..
    ـ وأنا لها ..
    ـ لا يا مولاي .. ليس بالسوط والسيف تحيا الأمم .. كلا .. وإنما ..
    ـ ( مقاطعاً ) ولكن أسوارنا عالية .. عالية بما فيه الكفاية لصدّ الأعداء .. أولست أنت وأصحابك الفرسان كنتم تقولون دائماً .. أوه ما أعظم هذه الأسوار وأمتنها ، إنها فاقت حتى أسوار طروادة .. فهل اخترقت طروادة من أسوارها .. كلا .. بل بحيلة خبيثة ..
    ـ وهذا ما اقصده ، فالأسوار لا تساعدنا إذا ما كان هناك خلل ، وأي خلل أكبر من أننا بنينا سوراً هائلاً بيننا وبين من نحكمهم ! ولذا سوف تُقتحم على أية حال ..

    يدخل جندي منادياً :
    مولاي .. مولاي الملك .. أصبح العدوّ على مشارف المملكة ..


    المشهد الثاني

    غرفة متواضعة ، جدرانها من الطين ، يبدو في الزاوية اليمنى منها رجلان ، يراجعان بعض الأوراق على ضوء شمعة ..
    يدخل رجل مسلّماً ، يردان السلام .
    ـ ما وراءك ..
    ـ مولاي أبا عبدالملك ، رسالة من خراسان ..
    يتناول الرسالة الرجل الآخر ..
    ـ ماذا يقول فيها ؟
    ـ كتب إليك واليها أن أهل خراسان قوم ساءت رعيتهم ، وإنه لا يصلحهم إلا السيف والسوط ، فإن رأى أمير المؤمنين أن يأذن لي في ذلك ..
    ـ اكتب إليه :
    أما بعد، فقد بلغني كتابك تذكر أن أهل خراسان قد ساءت رعيتهم ، وأنه لا يصلحهم إلا السيف والسوط ، فقد كذبت ، بل يصلحهم العدل والحق ، فابسط ذلك فيهم ، والسلام .


    المشهد الثالث

    تبدو الأسوار محطمة ، وبابها مقلوع ، وأعمدة الدخان تتصاعد في الأرجاء ..
    الملك مغطى بالدم يحتضن ابنه الأمير وبه رمق أخير ..

    ـ أي بني أية لعنة أصابتك ، وأي شر نصب له كمينه ، حتى توارى في الثرى ولا تزال الدماء الشابة الفتية تجري في عروقك .. أي قدر ؟
    ( ينظر إلى الأسوار المهدمة ) أيتها اللعينة البغيضة .. أهكذا تفعلين .. وأنا من رفعك حجراً فوق حجر ، وبذلت لك من الأموال ما تشائين ، حتى خلقتك عظيمة شامخة كالطود .. أوه .. ما أشد ما أقاسي ..
    ـ أبتاه .. إن أسوارنا سقطت يوم بنينا الأسوار بيننا وبين الناس .. وما هي هذه الأسوار التي تتحدث إليها ، إنها حجارة صماء لا تسمع ولا تعقل .. إنها تستجيب للفأس الأقوى .. حتى الأطفال أقوى منها .. الأطفال .. ولكن عن أي أطفال أتحدث .. وعن أية طفولة ؟ أولئك الذين يفتحون أفواههم على ملاعق الجوع والحرمان .. عن أية طفولة أتحدث ..
    ـ تهدمت قلاعي .. سقطت حصوني .. أضرموا النار في كل زاوية من مملكتي .. فأشرقت الشمس حزينة تلبس السواد ، وحملت إلينا الرياح كل ذرات الموت .. وفتح الجحيم لنا بابه ..
    ـ أبتاه .. إن الأسوار لا تساعدنا دائماً .. فليُغفر لي سكوتي ..
    يموت ..
    ـ اصرخي أيتها الوحوش الضارية .. انفطر أيها القلب التعيس .. شلالاً انهمري يا دموع السماء .. أهذا يوم الحشر .. أهذه نهاية العالم ؟ أي بني .. خذني معك ..
    يسقط ميتاً ..


    المشهد الرابع

    نفس المشهد الثاني .. يدخل رجل بيده رسالة ..
    ـ مولاي أمير المؤمنين عمر بن عبدالعزيز ، رسالة من عامل من عمالك ..
    ـ اقرأها يا رجاء ..
    ـ مولاي .. هذا عامل من عمالك أرسل إليك يقول : أما بعد ، فإن مدينتنا قد خربت ، فإن يرى أمير المؤمنين أن يقطع لنا مالاً نرمّها به فعل .
    ـ اكتب إليه :
    أما بعد، فقد فهمت كتابك ، وما ذكرت أن مدينتكم قد خربت ، فإذا قرأت كتابي هذا فحصِّنها بالعدل ، ونَقِّ طرقها من الظلم ، فإنَّه مرمَّتها .. والسلام .



    التعديل الأخير تم بواسطة dinamonitor ; 09-18-2018 الساعة 01:15 PM










  2. #2

  3. #3
    سبيستوني ضيف الصورة الرمزية zakk1000
    تاريخ التسجيل
    28 Aug 2018
    الحنس:
    ذكر
    المشاركات
    17
    سبحان من جعل لك عقل لتكتبي لنا مثل هذا الكلام الجميل والمؤثر
    احببت ما كتبتيه ابدعتي اختاه

  4. #4
    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة zakk1000 مشاهدة المشاركة
    سبحان من جعل لك عقل لتكتبي لنا مثل هذا الكلام الجميل والمؤثر
    احببت ما كتبتيه ابدعتي اختاه
    ضننت انه لن يقرأها احد لانها طويلة ولن يحبهااحد غيري*^*
    شكراً لك اخي اسعدني انها اعجبتك^-^
    يبدو انك عضو جديد
    اذا احتجت اي مساعدة انا في الخدمة











المواضيع المتشابهه

  1. هارون الرشيد
    بواسطة nouhou في المنتدى زمردة
    مشاركات: 1
    آخر مشاركة: 05-15-2015, 11:29 AM
  2. مشاركات: 6
    آخر مشاركة: 07-22-2013, 06:11 PM
  3. هارون الرشيد
    بواسطة fotoun في المنتدى زمردة
    مشاركات: 1
    آخر مشاركة: 03-27-2011, 02:33 PM
  4. هارون الرشيد
    بواسطة azozah في المنتدى تاريخ
    مشاركات: 2
    آخر مشاركة: 12-01-2008, 12:32 PM
  5. هرون الرشيد
    بواسطة ggggk في المنتدى رياضة
    مشاركات: 3
    آخر مشاركة: 01-26-2008, 01:25 PM

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •