صفحة 2 من 7 الأولىالأولى 1 2 3 4 ... الأخيرةالأخيرة
النتائج 21 إلى 40 من 121

الموضوع: رواية "مدرسة الفروسية" حصريا ولأول مرة ^^ (موضوع متجدد حلقة حلقة بإذن الله)

  1. #21
    سبيستوني ناشئ الصورة الرمزية alfurussiah
    تاريخ التسجيل
    05 Jun 2019
    الحنس:
    أنثى
    المشاركات
    179
    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة syury مشاهدة المشاركة
    متآبعة لكل حلقة ^^
    بانتظآر الحلقات القآدمة بكل شوق
    جزاك الله خيرا (:

    أسعدني هذا حقا بارك الله فيك



    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة artimis مشاهدة المشاركة
    مرحبا ما كنت متوقعة أن إختبار علاء أول هو عمل ف الإسطبل ^^

    لكنه عمل ممتع كما أن طلاب ليسو قساة فقد رحبو به جيداً بإنتظار **


    شكرا لتفاعلك ومتابعتك .. حتى علاء مثلك لم يتوقع ذلك! ^^

    ولكن هل العمل سيكون ممتعا كما تتخيلين؟؟ ربما..
    وهل سيكون هذا هو اختباره الوحيد؟

    الحلقة القادمة بعد قليل إن شاء الله (:

    وصل اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

  2. #22
    سبيستوني ناشئ الصورة الرمزية alfurussiah
    تاريخ التسجيل
    05 Jun 2019
    الحنس:
    أنثى
    المشاركات
    179

    الحلقة الثامنة: الاختبار المضاعف!


    الحلقة الثامنة: الاختبار المضاعف!


    استعد علاء للعمل بعد صلاة الفجر، رغم أرقه الشديد ليلة أمس، ولم يكن جفاف القش وخشونته بالإضافة إلى رائحة الإسطبل شيئا يذكر إلى جانب ما يلاقيه من هم بشأن أهله الذين لا يعرف عنهم شيئا حتى الآن.. والده المجاهد في مدينة شمس وأمه وأخوه اللذان افترق عنهما أثناء العاصفة، حتى حديث السيد مروان لم يكن مطمئنا بالنسبة له، لولا استسلامه لمنظر النجوم الرائع، التي أطلت عليه من نافذة التهوية فبدت كلآلئ نثرت على مخمل أسود، ذهب إثر مراقبتها في سبات عميق. شمر عن ساعديه ووضع الحشائش أمام الخيول التي لم تعتد عليه بعد , فنفرت منه جامحة لكن شعورها بالجوع جعلها تقترب من الحشائش بحذر شديد دون أن تسمح له بالاقتراب منها أكثر ، وفي تلك الأثناء دخل عدنان حاملا صفيحة عليها خبز يابس وثمرات مع كوب لبن قدمها لعلاء قائلا:
    - اعذرني يا صديقي، هذا طعام الإفطار المقرر أثناء فترة الاختبار..
    ابتسم علاء:
    - جزاك الله خيرا ، لقد مرت علي أيام لم أذق فيها طعاما..
    فضحك عدنان:
    - رب ضارة نافعة.. سيساعدك هذا كثيرا في أيام الاختبار – بإذن الله – فمعظم المتقدمين لم يعتادوا على هذا اللون من التقشف، فكان سببا في فشلهم ورفضهم من المدرسة، لذا تجد كثيرا من أبناء العائلات الثرية يفضلون الالتحاق بمدرسة الفوز للفروسية..
    فتساءل علاء:
    - وهل توجد مدارس أخرى للفروسية؟
    فأجابه عدنان:
    - مدرسة النصر ومدرسة الفوز أكبر مدرستين للفروسية في المنطقة، ولا علم لي بوجود غيرهما..
    ثم استدرك:
    - الالتحاق بمدرسة الفوز مختلف عن هنا فهو لا يحتاج لإجراء أي اختبار، وبالمقابل ستدفع مبلغا ضخما من المال، لذا تراها مرتعا خصبا للتفاخر بين الأثرياء..
    ثم انتبه إلى الوقت الذي أدركهم ، فوجه حديثه لعلاء:
    - أرجو أن تكون قد أطعمت الخيول جيدا؛ فاليوم أمامها تدريب شاق لطلبة مرتبة همام..
    انتهت فترة التدريب، واستعد علاء لتنظيف الخيول المتعبة بعد أن قدم لها الماء والطعام، كان عليه إنزال السروج أولا، والذي لم يكن بالأمر السهل بالنسبة له، حاول الاقتراب منها مرارا لكنه لم يفلح فقد كان يشعر برهبة لم يألفها في نفسه من قبل، هذا رغم أنه اتجه مباشرة نحو ورد، حتى كاد اليأس أن يجد سبيلا إلى قلبه، لكن تصميمه على النجاح دفعه للتفكير بشتى الوسائل وهو يستذكر كلام عدنان حول شعور الأحصنة بمن حولها ومعرفتها لمقدار صدق عاطفته معها وهو يربط ما سمعه من عدنان بما يراه ويلاحظه، فلاطفها وكلمها كما فعل عدنان – وهو يشك بأنها تفهمه – ثم أخذ يقرب لها الأعشاب حتى استطاع إطعامها بيده، وشيئا فشيئا بدأت تعتاد عليه، وتسمح له بالاقتراب منها، فأخذ يربت عليها وعيناه مثبتتان على أذنيها بناء على نصيحة عدنان، خشية أن يكون قد لامس الجزء الحساس من أجسادها، فما لبث أن أنزل السروج عنها بهدوء وشرع بتنظيفها برفق حتى انتهى منها جميعا بما فيهم حالك.. ذلك الحصان الحساس الذي اتخذ منه موقفا عدائيا في لقائهما الأول دون سابق إنذار!
    تنفس علاء بارتياح، وهو يتمطى مادا ذراعيه ويحدث نفسه:
    - يا لهذه الخيول المدللة، يبدو أن رعاية بهاء أسهل منها..
    ولم يكد يمر الخاطر في رأسه حتى انتبه لصوت أقدام حالك تضرب بالأرض، فاعتدل علاء في وقفته سريعا، كمن خشي أن يخسر علاقته مع صديق جاهد لإصلاح ما أفسده معه، وهو يقول معتذرا:
    - كنت امزح فقط!
    ثم أطلق ابتسامة خفيفة على فعلته:
    - صدق عدنان!! سرعان ما اعتدت على ذلك!!
    مر أسبوع كامل وعلاء منهمك في أعمال الإسطبل، بات يحدث فيها نفسه عن المدة التي سيقضيها في هذا المكان، حتى دخل عليه عاطف حاملا مجموعة من الكتب قدمها لعلاء قائلا بعد أن حياه:
    - هذه كتب المستويين الخامس والسادس من التعليم النظامي في المنطقة، حاول الاطلاع عليها ودراستها فستقدم بها امتحانا شاملا بعد يومين، هذا إلى جانب عملك في الإسطبل، لذا حاول الموازنة بينهما..
    كانت هذه هي المرة الأولى التي يشعر فيها علاء بغيظ شديد منذ وصوله المدرسة، فالامتحان بعد يومين فقط ومع ذلك يطلب منه الموازنة بين الدراسة والعمل!! لكنه حاول ضبط أعصابه وتهدئة نفسه:
    - لا شك أن هذا جزء من الاختبار وعلي تجاوزه بنجاح بإذن الله، ثم أنني أنهيت دراسة المستوى الخامس تقريبا في مدينتي، فلم تنشب الحرب إلا على أبواب الامتحانات النهائية.. ولكن، ماذا عن المستوى السادس!!
    وقفزت صورة أولئك الفتيان الذين قابلهم في الإسطبل إلى ذهنه، وعبارة رنانة أخذت تدوي في أذنه " بانتظار أن نراك بيننا قريبا"، فشد من عزيمته مشجعا نفسه:
    -لا بأس سأحاول التركيز على الدروس الأولى فلم يمر على الدراسة هنا أكثر من شهر ونصف..
    لم يجد علاء أدنى فرصة للإطلاع على الكتب إلا بعد العشاء، فقد أخذ منه العمل في الإسطبل جهدا كبيرا، لا سيما وأن السيد رافع طلب منه القيام بنقل مخزون الحبوب والحشائش إلى مخزن آخر! ورغم تعبه الشديد ورغبته الملحة بالنوم، إلا أنه قاوم ذلك كله وهو يطالع الكتب على ضوء السراج، كانت سبعة كتب من المستوى الخامس، وعشرة أخرى للمستوى السادس. فتح كتب الحساب وعلم الحياة والطبيعة من المستوى الخامس، وابتسم مطمئنا وهو يقلب الصفحات ويراجع المعلومات، محدثا نفسه:
    - الحمد لله، ما زلت أذكر ذلك جيدا، فجزاكم الله خيرا يا معلميّ الأعزاء، ثم بحث بفضول عن كتاب الحوادث والأيام متلهفا لمعرفة مواضيعه، وهو يذكر كلام حذيفة وسالم..
    فتح الكتاب يتأمل مواضيعه حتى وقعت عيناه على فصل سقوط الخلافة، فقرأ منقلا عينيه بين السطور بسرعة: "استطاع سهم الدين أخيرا بفضل حنكته وذكائه إنقاذ منطقة الجبال بأسرها من دمار محقق بعد أن زادت أطماع المناطق المجاورة في خيرات البلاد، وإعلان الخليفة عبد السلام أوروج تخليه عن مسؤوليته في التصدي لأطماع الممالك القوية، فكان لا بد من إعلان الانفصال عنها... وعندما استلم الحاكم نجم الدين حكم البلاد أثبت جدارته بين حكام جميع المناطق وقد شهد له بدماثة الخلق والحنكة والحكمة وحسن التصرف والشجاعة والقوة في الحق ونصرة أهله بلا هوادة مع الرحمة والتواضع ولين الجانب مما أكسبه محبة الشعب له بجدارة..." شعر علاء بالملل من كلام التبجيل نفسه الذي تلبسه كل منطقة لحاكمها، وتنهد:
    - ما دمنا نمتلك هذا الصنف من الحكام العظام فلماذا لم نكن في مقدمة العالم!!
    وأخيرا وقعت عيناه على كتاب عنوانه ( سير أخبار الفرسان) وقد كتب تحته بخط واضح "خاص بمدرسة النصر للفروسية - المستوى السادس"، وعندما فتحه وجد نفسه فيه كالضائع في بحر لا يعلم منتهاه..
    مضى معظم الليل وعلاء منشغل بكتبه يبحث ويراجع ويستذكر وقد شعر بطمأنينة لا بأس بها وهو يجد نفسه متمكناً إلى حد ما من كتب المستوى الخامس، فلم تكن الدروس تختلف كثيرا عما درسه في منطقته، والتي كان متفوقا فيها، وهذا من فضل الله عليه، لكن بعض القلق ما زال يساوره لما حوت كتب المستوى السادس، لا سيما وأن المشرف عاطف أخبره بأن طلاب المستوى السادس قد انهوا دراسة ثلاثة فصول على الأقل من كل كتاب تقريبا، فهل سيكفيه يوم واحد يتخلله العمل في الإسطبل لتدارك ذلك كله!!

    فاصل

    ترى.. لو كنتم مكان علاء كيف ستتصرفون؟ وكيف ستنظمون وقتكم في الدراسة في حالته تلك؟



    عدنا

    استيقظ علاء على يد حانية ربتت على كتفه، وقد بدأ نور الفجر يسفر عن الصباح بوضوح:
    - ستشرق الشمس بعد قليل، انهض يا علاء..
    وبعد أن أدى علاء صلاة الفجر على عجل، وهو يشعر بألم لا حد له لفواتها عليه في الجامع جماعة، قال له عاطف مؤنبا:
    - كان عليك أن توازن أكثر بين الأمور، فلولا لطف الله بنا لحلت كارثة في الإسطبل، إياك أن تنسى السراج مشتعلا مرة أخرى..
    أطرق علاء خجلا من فعلته:
    - أرجو المعذرة فقد كنت أحاول مراجعة الدروس بسرعة فلا وقت لدي حتى غلبني النعاس، أعدك أنني لن أكرر ذلك ثانية، وسأبذل جهدي لأكون أكثر انتباها إن شاء الله..
    بدا علاء مرهقا جدا ذلك الصباح، خاصة وأنه لم يأخذ قسطا كافيا من الراحة، بالإضافة إلى ذهنه المشغول بأمر الامتحان غدا، عندما تناهى إلى سمعه صوت عدنان مقبلا عليه، فتهلل وجهه فرحا:
    - الحمد لله على عودتك يا صديقي، كم أنا سعيد برؤيتك..
    فابتسم عدنان وهو يصافحه:
    - لكنني لم أغب عنك أكثر من أسبوع، وأرجو أن لا يزعجك معرفة سبب عودتي في هذا الوقت بالذات..
    بدا القلق واضحا في عيني علاء فلم يعد يحتمل سماع مهمات جديدة إضافية، لكن عدنان تابع وهو يتجه صوب مخزن السروج:
    - اليوم هو درس الركوب الأول لمرتبة المبتدئين، وعلينا إسراج الخيول وإعدادها لهم بشكل خاص..
    اتجه عدنان صوب غرفة المعدات في الإسطبل حيث علقت السروج والألجمة والشكائم على الكلاليب، وتناول المعدات اللازمة لتهيئة جواد واحد، وهو يخاطب علاء:
    - راقبني جيدا، فعليك القيام بذلك وحدك مع بقية الجياد، إذ أنني سأضطر للذهاب في مهمة أخرى طلبها مني السيد رافع..
    لم يخف على عدنان ملاحظة تبرم علاء الشديد بتلك المهمة، فحاول إثارة اهتمامه بقوله:
    - إن خطأ واحدا في هذه العملية قد يؤدي إلى سقوط قاتل، لا سيما وأن الطلبة من المبتدئين، عندها شعر علاء بعظم المسؤولية الملقاة على كاهله، فهتف منفعلا:
    - وكيف تحملونني مسؤولية القيام بذلك وحدي يا عدنان، هذا خطر جدا، فأنا لم ألجم حصانا من قبل!!
    فابتسم عدنان مهدئا، وهو يقلب بصره بين الرؤوس النظيفة لجياد تنظر من خلال أبواب زريبتها:
    - لا عليك يا صديقي ستتقن عملك بإذن الله، نحن نثق بك، انظر إلى هذه الجياد اللامعة، لا أبالغ إن قلت لك بأنني لم أتقن ما أتقنته أنت إلا بعد ضعف المدة التي قضيتها هنا يا علاء..
    ثم اتجه نحو (الأبرش) الحصان الأول في الصف والمعدات في يده قائلا:
    - سنركز السرج أولا ومن ثم اللجام، ولن ننسى التأكد من سلامة الحوافر والحدوات، وشرع بأداء عمله بهمة ونشاط وعلاء يراقبه بدقة متناهية..
    استلقى علاء بعد صلاة العشاء على كومة القش منهك القوى، وقد استنفد جهده كله بعد يوم شاق. غدا موعد الامتحان، لكنه لن يغامر بترك السراج مشتعلا، ولن يفرط بصلاة الفجر جماعة مرة أخرى، فهذا هو الأهم بالنسبة له، لا سيما وأنه في أمس الحاجة لأن يكون في ذمة الله ورعايته، ثم إن عقله مرهق الان ولن يكون قادرا على استيعاب ما سيقرؤه على أية حال، لم يسترسل علاء بأفكاره كثيرا فلم يكد ينهي قراءة أذكار النوم حتى غط في نوم عميق..
    كانت نسائم السحر الباردة تلفح وجه المشرف عاطف وهو يحث الخطى نحو الإسطبل بعد أن جذبه ضوء السراج المنبعث منه وهو يحدث نفسه:
    - أرجو أن لا يكون قد فعلها مرة أخرى..
    لكن سرعان ما فارقه قلقه وهو يرى علاء بكامل قوته ونشاطه منكبا على كتبه يدرسها باهتمام، ألقى عليه التحية، ثم سأله:
    - ألم تنم يا بني؟؟
    فابتسم علاء وهو يشعر براحة كبيرة:
    - بل شبعت نوما، وها أنا كما ترى بفضل الله في قمة النشاط والحيوية..
    وصمت قليلا قبل أن يتابع:
    - لن ألدغ من الجحر نفسه مرتين، وقد بورك للأمة في بكورها..
    تهلل وجه عاطف فرحا وهو يبتسم قائلا:
    - بارك الله فيك يا بني، لن آخذ من وقتك أكثر، فلم يبق إلا القليل على أذان الفجر..
    كان يوما مختلفا في حياة علاء منذ قدومه إلى مدينة رياح، فرغم أنه قام بواجبه المعتاد في الإسطبل من بعد صلاة الفجر، فلم يكن هناك استثناء من أجل امتحانه، إلا أنه شعر بدنو لحظة الصفر بعد صلاة العصر، و التي سيحسم فيها أمره، ولن يرضى بأقل من النجاح، صحيح أن كل ما مر به كانت أجزاء متتابعة من امتحان متكامل، لكن امتحان الورق بنظره كان مختلفا، فهذا هو عهده بالامتحانات. مشى عدنان إلى جانب علاء يشد من أزره بعد عودته من صلاة العصر قائلا:
    - لقد اثبت جدارتك منذ قدومك يا صديقي، فثق بالله فهو لن يضيعك..
    أطرق علاء قليلا قبل أن يقول:
    - لم أفقد ثقتي بالله يا عدنان، ولكنني أخشى أن أكون قد قصرت فلا أستحق التوفيق..
    فقاطعه عدنان:
    - لا تقل هذا يا علاء، لم يكن بإمكانك فعل أكثر مما فعلته..
    عندها تنهد علاء:
    - لا أعرف ماذا أقول يا عدنان ولكنني لم أعتد على دخول امتحان في كتاب لم أدرسه، ولشد ما أخشى أن تكون هناك أسئلة في القصائد الطويلة من المستوى السادس..
    ربت عدنان على كتفه مشجعا:
    - اطمئن يا صديقي فأنا واثق من أنك ستجتاز الامتحان بنجاح..
    وبرقت عيناه بنظرة غريبة وهو يتابع:
    - لا تقلق، سأبذل جهدي من أجلك، أعدك بذلك..
    لم يدر علاء ما نوعية هذا الجهد الذي سيبذله عدنان من أجله، لكنه شكره على وقوفه لجانبه، إذ كانت المرة الأولى التي يشعر بها بمثل هذا الكم الهائل من التوتر وهو يستعد لدخول مخزن الحبوب القديم الذي أعد خصيصا ليقدم امتحانه فيه. حاول أن يهدئ روعه لا سيما وأن استعداده للامتحان لم يكن كافيا، قاوم شعوره بالاختناق من جو الغرفة التي كانت أشبه ما تكون بصندوق تعذيب عوضا عن غرفة لتقديم امتحان بأقل كفاءة من التركيز، جلس فوق القش منحنيا على رزمة ضخمة من الأوراق حوت الأسئلة، عليه إجابتها في مدة زمنية تبدأ من بعد صلاة العصر وحتى أذان المغرب، تلا آيات من القرآن متوكلا على الله فقد بذل أقصى ما بوسعه، ثم بدأ بقراءة الأسئلة بهدوء وروية، ورويدا رويدا أخذ يشعر بنشوة كبيرة وقد انتهى من عشر صفحات حوت أسئلة متنوعة لم يجد صعوبة في إجابتها، فقد كانت في معظمها مراجعة لما أخذه في المرحلة الخامسة، حتى المسائل الحسابية استطاع حل معظمها في فترة قياسية، وحين بدأ بقراءة أسئلة الورقة الحادية عشرة فوجئ بأنها كانت عن أنواع السروج والشكائم والألجمة وطرق تركيبها. بذل جهدا كبيرا يراجع كل ما حدثه به عدنان ليعيد صياغته بأسلوبه مستعينا برسم بعض الأشكال التوضيحية حتى تمكن من إجابة معظم الأسئلة، ليكتشف أن الوقت بدأ يداهمه، وما تزال أمامه ورقات لم يطلع عليها بعد، فبدأ التوتر يجد طريقه إلى نفسه من جديد. التقط نفسا عميقا وقد أنهكه التعب فنهض قليلا يحاول تغيير وضعيته ليجدد نشاطه بعد أن أنهى سبع عشرة ورقة ولم يبق أمامه الكثير. ولدهشته الشديدة لم يجد سوى ملاحظة بخط كبير في الورقة الثامنة عشرة: " لتجتاز الامتحان بنجاح عليك الحصول على سبعين جزءا من أصل مئة، علما بأن مجموع الأجزاء على الورقات السابقة لا تتعدى الأربعين جزءا فقط، أما الستون الباقية فهي موزعة على الأسئلة اللاحقة"، شعر علاء بارتباك شديد من هذا الاكتشاف المتأخر، فإجاباته السابقة لن تمنحه الأجزاء المطلوبة للنجاح هذا على افتراض أنه أجابها جميعا بشكل صحيح، لذا حاول أن يسرع في إجابة الصفحتين الأخيرتين فلم يبق إلا القليل ويرتفع الأذان. أطلق علاء شهقة مكتومة وهو يقرأ المطلوب في الصفحة الأخيرة فلم يملك أن ضرب بقبضته على الأرض وهو يشعر بغيظ شديد، فقد كانت معظم الأجزاء على ذلك السؤال، وقد أخذ منه التعب كل مأخذ:
    - من أين لي أن أستذكر تلك القصيدة الطويلة التي لم يسمح لي الوقت بقراءتها عوضا عن حفظها! ساعدني يا رب..
    وخيل إليه أن غبار القش المتناثر حوله غدا جبالا من الهموم حطت على رأسه، فأخذ يسعل بشدة، وفي تلك الأثناء سمع صوت عدنان وهو يفتح الباب بعد أن تحدث إلى المشرف عاطف الجالس في الخارج، دخل عدنان وبيده كوب ماء رافعا صوته:
    - اشرب يا علاء..
    ثم دس في يده ورقة مطوية هامسا:
    - لقد كتبت لك القصائد كلها يا علاء، لم يبق الكثير من الوقت..

    *******


    ما الذي سيفعله علاء في هذه الحالة؟
    وهل سيكون هذا هو اختباره الأخير؟؟

    هذا ما سنعرفه في الحلقة القادمة إن شاء الله، فتابعونا ^^

    وصل اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

  3. #23
    سبيستوني بطل الصورة الرمزية artimis
    تاريخ التسجيل
    08 Jan 2017
    الحنس:
    أنثى
    المشاركات
    22,288
    مرحبا مع الأسف عليه محاولة و إكمال إمتحان لكن هدا غش ♥

    أن يعطيه عدنان ورقة لا تقولي انه يستخدمها متابعة لما سيحدث له ^^



    ( ليانا المحاربة الشرسة. آيريس المحاربة الأسطورية. كآثرين أسطورة غامضة ) ♡

    يمنع إستخدام أي من أسماءي ف المنتدى و شكرآ ♥



  4. #24
    سبيستوني ناشئ الصورة الرمزية alfurussiah
    تاريخ التسجيل
    05 Jun 2019
    الحنس:
    أنثى
    المشاركات
    179
    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة artimis مشاهدة المشاركة
    مرحبا مع الأسف عليه محاولة و إكمال إمتحان لكن هدا غش ♥

    أن يعطيه عدنان ورقة لا تقولي انه يستخدمها متابعة لما سيحدث له ^^



    صحيح.. هذا غش ولكن علاء في موقف صعب أيضا، فكيف سيتصرف؟؟

    تابعي الحلقة في الرد التالي إن شاء الله (:


    وصل اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

  5. #25
    سبيستوني ناشئ الصورة الرمزية alfurussiah
    تاريخ التسجيل
    05 Jun 2019
    الحنس:
    أنثى
    المشاركات
    179

    الحلقة التاسعة: جدار الأخبار


    الحلقة التاسعة: جدار الأخبار

    خرج عدنان بسرعة- بعد أن أعطى علاء الورقة- وكأن شيئا لم يكن؛ تاركا علاء في ذهول كبير. كانت هذه أكبر صدمة يتلقاها علاء حتى تلك اللحظة، ما الذي فعله عدنان! أليس هذا غشا!! أيعقل أن أغش!!! وبدأت نفسه تنازعه:
    - لا وقت للتفكير الآن فسيرتفع أذان المغرب بعد لحظات، ما عليك يا علاء فلعل الله استجاب دعاؤك وبعث لك من يساعدك، هيا انقلها بسرعة ولا تتردد. أنت مضطر وللضرورة أحكام، وأخذت صور مدينته، أمه وأخوه الصغير تتراءى أمامه، لا بد من إنقاذهم، لذا عليه أن ينجح في الامتحان بأي ثمن ليصبح فارسا يعيد الأمور إلى نصابها، وأخيرا هم بفتح الورقة، لكنه توقف فجأة وقد قفزت صورة والده أمام عينيه:
    - الغش هو الغش ومن غشنا فليس منا، فلا تنخدع بكلام الأولاد يا بني..
    - ولكن يا أبي، سمير مختلف عنهم صدقني، لقد كانت أمه مريضة وقد سهر إلى جوارها طوال الليل ولم يتمكن من الدراسة، ثم إن مرضها سيشتد إن علمت أنه لم ينجح في الاختبار فهي تعلق عليه آمالا كثيرة..
    - ولماذا لا يخبر الأستاذ بذلك وهو بلا شك سيتفهم الأمر..
    - أنت لا تعرف المعلم فواز يا أبي، إنه عصبي جدا ولا يتقبل أي عذر مهما كان!
    ورغم انفعال علاء الشديد وهو يوضح لوالده موقف سمير إلا أن والده قال بحزم:
    - كل هذا لا يبرر الغش يا بني، فالغاية لا تبرر الوسيلة، فإذا كانت غاية صديقك سامية وهمه إرضاء أمه مع الحفاظ على صحتها فهذا مما يرضاه الله، ولن يضيعه الله وسيعوضه خيرا بلا شك، وثق تماما أنه لن يصل أبدا إلى رضا الله عن طريق لا يرضاه الله، أليس كذلك يا علاء؟
    انتبه علاء من ذكرياته ليجد نفسه ممسكا بالورقة التي أعطاها له عدنان، فما كان منه إلا أن ضغطها محاولا سحقها بقبضة يده، وقد عزم على أن لا يسلك طريق الغش مهما كان الثمن، وقبل أن يرتفع أذان المغرب طوى علاء رزمة أوراق الامتحان ونهض من مكانه متجها خارج الغرفة، حيث جلس المشرف عاطف في الهواء الطلق بانتظاره، والذي ابتسم قائلا:
    - لم أتوقع خروجك قبل الأذان، أم أن جو الغرفة لم يعجبك؟
    حاول علاء الابتسام جاهدا وهو يرد ببرود:
    - ربما!
    فقال عاطف:
    - لقد انتهى عملك هذا اليوم، فحاول أن تنام باكرا لتأخذ قسطا كافيا من الراحة، فغدا من بعد صلاة الفجر لديك مهمة جديدة من نوع مختلف..
    حاول علاء أن يعي ما قاله المشرف عاطف رغم فكره المشغول بعدنان:
    - ما الذي دفعه لمثل هذا التصرف، لقد خيب ظني!
    أما عدنان فقد كان في شوق لرؤية علاء والاطمئنان عليه، فما أن لمحه خارجا حتى هرع إليه:
    - كيف كان امتحانك يا علاء طمئني أرجوك..
    وبدلا من أن يسمع إجابة مطمئنة، فوجئ بتجهم علاء الشديد مع نظرات ثاقبة لا تبعث على الارتياح، وقبل أن يهم بقول شيء، ارتفع أذان المغرب فقال علاء:
    - دعنا نصلي أولا..
    أخرج علاء الورقة من جيبه في صمت وهو يفكر بالطريقة التي يواجه بها صديقه الوحيد في هذا المكان، حتى قال أخيرا وهو يقدمها له:
    - ما هذا يا عدنان!!!! لقد صدمتني بقوة، سامحك الله..
    بدا التوتر واضحا على وجه عدنان:
    - ما الذي تعنيه يا علاء!! لقد حاولت مساعدتك وحسب!
    وأطرق برأسه وهو يتابع:
    - لقد كان سعالك فرصة مواتية لأحضر كوب ماء لك، فقد كنت قلقا عليك يا صديقي وخفت أن لا تجتاز الامتحان، وهذا أقل ما استطيع تقديمه لك، ألسنا أصدقاء!!
    لكن علاء قاطعه بنبرة جادة:
    - ولكن هذا لا يبرر الغش يا عدنان،ثم إنهم منحوك ثقتهم فكيف تغدر بهم!!
    قفزت نظرات قلقة الى عيني عدنان وهو يقول متوسلا:
    - هل هذا يعني أنك ستخبرهم بما حدث!! أرجوك لا تفعل هذا يا علاء فسيطردونني حتما..
    فرد علاء:
    - أنا لم أقل ذلك، ولكن عدني أن تتوب من فعلتك هذه ولا تكررها أبدا..
    أطرق عدنان برأسه ندما قبل أن يمد يده مصافحا علاء:
    - هذا وعد..
    فابتسم علاء وهو يشد على يده:
    - أقدر موقفك يا صديقي ولكن رضا الله هو الأهم، لقد بذلت جهدي وسأرضى بما كتبه الله لي وإن لم التحق بالمستوى الذي أرغبه، بل وحتى إن لم أقبل أصلاً..

    ***

    كان علاء على أهبة الاستعداد لمهمته الجديدة بعد صلاة الفجر، عندما جاءه عاطف وبيده عصا قوية طويلة مع حقيبة قماش حوت طعاما وماء، ناولها لعلاء قائلا:
    - اسمعني يا علاء، لقد قاربت الحشائش على الانتهاء فعليك أن تحضر المزيد منها من حقل الربيع، عند طرف المدينة الشمالي وإياك أن تحضر الحشائش من مكان آخر، فالحشائش السامة منتشرة بكثرة، المكان بعيد عن هنا، ولكن عليك أن تعود بسرعة فلا تضيع الوقت بالطريق، تذكر أن عليك أن تسلك طريق الغابة في الذهاب، وهو على يدك اليمنى من الطريق الطويل، أما في العودة فاسلك طريق الوادي، هل هذا واضح؟
    أومأ علاء برأسه إيجابا وهو يردد:
    - لقد فهمت
    فكرر المشرف عاطف كلامه:
    - حاول أن تجتاز الغابة قبل الغروب فهي خطرة، تذكر ذلك جيدا، فانتبه لنفسك في الطريق، واستخدم العصا عند الضرورة..
    ثم شد على يده:
    - وفقك الله يا بني
    وشد عدنان على يدي علاء:
    - رافقتك السلامة يا صديقي..
    ثم ابتسم مازحا:
    - لا تشغل بالك بشان الخيول، فسأعتني بها جيدا أثناء غيابك..
    فابتسم علاء:
    - لا تنس أنها أصبحت من أعز أصدقائي أيضا..
    ثم انطلق يجر عربة خشبية خلفه أعدت خصيصا لهذا الغرض، ولم يكن ذلك بالعمل الهين، فالأرض وعرة والعربة رغم خلوها لم تكن سهلة الانقياد..
    فحدث علاء نفسه:
    - إن كان هذا حالها وهي فارغة فكيف بها وقد امتلأت حتى آخرها!!
    لكنه سرعان ما طرد هذه الأفكار ليستمتع بجمال الطبيعة من حوله، وبدأ يسلي نفسه بإنشاد الأشعار الجميلة التي حفظها عن والده:
    نحن أبطال أسود لا نبــالي بالقيـود
    ورسول الله فينـا أسوة في ذا الوجود
    أمة الشرك دمـار فمحــال أن تسود
    أبدا لا لن تسـود أبـدا لا لن تســود
    لم يكن علاء قد توقف ولو للحظة واحدة، وهو يقود عربته في طريق آخذ بالصعود التدريجي، عندما سمع صوت أذان الظهر، فخمن أنه مسجد قريب خلف المرتفع، فضاعف جهده حتى وصل القمة، ليشرف على أشبه ما يكون بسوق صغير يعج بالحيوية والنشاط، لكن أكثر ما لفت نظره هو جدار الأخبار الذي توسط المكان. خفق قلبه بشدة فمنذ فترة لم يسمع أي أخبار عن منطقته، فأسرع يحث الخطى وهو ينزل المرتفع حتى كادت قدمه أن تنزلق مع اندفاع العربة. شعر بقوة تجذبه نحو ذلك الجدار لم يستطع مقاومتها لولا ارتفاع صوت إقامة الصلاة في المسجد، فغير مساره نحوه. أحكم علاء ربط عربته إلى عمود جوار المسجد من الخارج يُستخدم مربطا للأشياء، ثم دلف إلى المسجد يحاول تخلية ذهنه مما يشغله:
    - ترى ما هي الأخبار؟؟
    كانت هتافات الباعة تعلو لترويج بضائعهم بعد الصلاة، فمن بائعات الحليب والبيض إلى باعة الدقيق والخبز، والزيت والعسل، بالإضافة إلى بائع الخضار الذي لم يترك صنفا إلا نظم له قصيدة مدح عصماء! هذا عوضا عن دكاكين الأواني وصناعة الفخار، ومحال اللحوم والجلود وأعلاف الماشية وغيرها، أما راعي الأخبار فقد جلس خلف طاولة متوسطة الحجم قرب الجدار يهتف بأعلى صوته:
    - أخبار العالم بين يديك، البيان الأخير للحاكم نجم الدين، آخر التطورات المذهلة في عالم الثلاثية، ترقبوا أخبار الفرق المنافسة على وسام الأرض القادم، لقاء خاص مع لاكومار بان، آخر حفلات الموسيقار الشهير ساكورغان..
    ورغم حرص علاء الشديد على إنجاز مهمته إلا أنه لم يجد بأسا من التحدث مع راعي الأخبار بعد أن تصفح العناوين الرئيسة في الجدار ولم يجد فيها بغيته، فاقترب منه مسلما:
    - ألا توجد أخبار عن منطقة المروج الخضراء يا عم؟
    نظر إليه الرجل متفحصا كمن باغته السؤال، لكنه قال:
    - لم تصلنا أية أخبار عنها من مركز المدينة منذ أكثر من أسبوعين، فإذا أردت أخبارا من هذا النوع فاذهب إلى هناك..
    بدت خيبة الأمل في نظرات علاء لكنه هتف فجأة:
    - عفوا يا عمي قلت أنه لم تصلكم أخبار منذ أسبوعين، فهل لديك أخبار قبل ذلك الوقت؟
    أطرق الرجل مهمهما:
    - دعني أرى..
    وبدأ يبحث في أدراج الجزء السفلي من طاولته العجيبة. وفي تلك الأثناء أقبل مجموعة من الأولاد في مثل سن علاء تقريبا، وبعد أن القوا نظرة خاطفة على زاوية محددة في جدار الأخبار؛ أسرعوا نحو راعي الأخبار- المنحني خلف الطاولة- يتهاتفون:
    - عم جاد.. عم جاد، نريد النسخة المفصلة الجديدة للثلاثية..
    رفع جاد رأسه قائلا:
    - لا تقلقوا، لقد طلبنا كمية مضاعفة هذه المرة وسيحصل كل واحد منكم على نسخته..
    مرت لحظات انتظار عصيبة على علاء وهو يراقب انشغال راعي الأخبار مع الأولاد على أحر من الجمر، فلا وقت يضيعه حتى حزم أمره لافتا نظر العم جاد إليه قائلا بأدب:
    - عفوا يا عم، لم تقل إذا ما وجدت نسخا من أخبار منطقة المروج الخضراء، حتى وإن كانت قديمة؟
    فرد عليه جاد وهو يسلم النسخ للأولاد دون أن ينظر إليه:
    - انتظر قليلا يا بني ريثما أنتهي!
    شعر علاء بغيظ شديد فهو من جاء أولا لكنه آثر الصمت، حتى مرت اللحظات العصيبة وكأنها سنوات، انتهى فيها جاد من توزيع النسخ للأولاد، ثم تابع البحث في أدراجه قبل أن يرفع رأسه أخيرا وهو يحمل بيده نسخة صفراء باهتة قدمها لعلاء قائلا:
    - هذه آخر ما لدينا من أخبار هنا، إنها قبل ثلاثة أسابيع تقريبا..
    بدت علامات الرضا على وجه علاء بوضوح وهو يمد يده لتناول النسخة قائلا:
    - لا بأس، جزاك الله خيرا يا عم..
    لكنه فوجئ بيد الرجل تبعد النسخة من أمامه وهو يقول:
    - الحساب أولا، خمس قطع نقدية!
    لم يدر علاء كيف غاب عن ذهنه هذا الأمر، وضع يده في جيبه في محاولة يائسة للعثور على ما يحفظ به ماء وجهه بعد أن أرهق العم جاد معه، ولكن لا شئ!! لم يعرف علاء في تلك اللحظة ما الذي آلمه أكثر، عدم تمكنه من الاطلاع على أخبار منطقته بعد طول انتظار، أم الموقف الحرج الذي وجد نفسه فيه، ورغم تذمر جاد منه في البداية، إلا أنه شعر برقة نحوه، فقال أخيرا:
    - حسنا يا بني، تبدو غريبا عن المكان، لذا سأسمح لك بالإطلاع على النسخة هنا.
    تهلل وجه علاء فرحا وتألقت عيناه بنظرات امتنان لا حد لها:
    - جزاك الله خيرا يا عمي لن أنسى معروفك هذا أبدا..
    وأسرع يقلب بصره في النسخة : "هجمات القائد نور الدين وأتباعه تتوالى... إصابات بليغة في جيش رامان، وتراجع واضح في صفوفهم..." شعر علاء بارتياح شديد مع الفخر والاعتزاز بوالده، مما أعطاه دفعة حماس إضافية، وبعد أن شكر العم جاد مرة أخرى، أسرع في السير يجر عربته، وهو يحاول تعويض ما فاته دون أن يلاحظ ذلك الرجل الذي توقف بعربته أمام جدار الأخبار. نهض جاد من مكانه مستقبلا الرجل الذي نزل من العربة مرحبا:
    - أهلا ومرحبا بك يا سيد بلال، إنه لتواضع منك أن تحضر النسخ الجديدة بنفسك يا سيدي..
    فابتسم بلال وهو يضع كومة من النسخ المرصوصة فوق بعضها بدقة بالغة، على الطاولة أمامه:
    - لا داعي لكل هذه المجاملات يا جاد، فقد توعك شادي ولم يستطع إحضارها وقد كنت مارا من هنا في جميع الأحوال، ثم إن الأخبار عاجلة ولا تحتمل التأجيل..
    و أخرج من القسم الخلفي للعربة قطعة جلدية كبيرة من النوع الذي يعلق على جدر الأخبار حاملا العناوين الرئيسة الهامة..
    لم تكد عينا جاد تقعان على الخبر الذي كتب بخط عريض، حتى هتف:
    - غير معقول! لقد مر قبل قليل فتى يسأل عن أخبار المروج الخضراء، سيهمه الخبر كثيرا بلا شك..
    أبدى بلال اهتمامه بما سمعه، فسأله:
    - وهل هو غريب عن هنا؟
    أومأ جاد برأسه قائلا:
    - أجل يا سيدي، إنه يذكرني بابنك أصيل وصديقه حسان فهما الوحيدان بين أقرانهما اللذان يبديان اهتمامهما بهذا النوع من الأخبار.
    ثم استدرك قائلا:
    - أظن ذلك الفتى من مدرسة النصر أيضا، فكأنني لمحت شعارها على العربة التي معه..


    فاصل

    في عالم مدرسة الفروسية الخيالي؛ لا توجد تلفزيونات ليتابع عليها الناس النشرات الاخبارية، كما نفعل نحن؛ ولكن هناك طرق أخرى منها: "جدار الأخبار"
    وهو جدار كبير، يتم تعليق عناوين الأخبار الهامة عليه، ليقرأها الناس، ويكون عندها عامل مسؤول عنها يسمونه بـ
    "راعي الأخبار"، ومن يرغب بمعرفة تفاصيل الاخبار فعليه أن يدفع ثمن النسخة المفصلة، وهي تقابل الجرائد والصحف في عالمنا الحقيقي تقريبا، ..

    عدنا


    لم يكن علاء قد ابتعد كثيرا عندما انتبه لدخول وقت صلاة العصر فأداها منفردا لعدم وجود مسجد في طريقه، وقد بدأت تخلو من آثار البنيان، وتابع الجري بالعربة يحاول تعويض ما فاته من الوقت دون أن يتناول سوى لقيمات قليلة تسد رمقه، حتى وجد نفسه أخيرا أمام مفترق الطريق وقد قاربت الشمس على المغيب، وعليه أن يسلك الجهة اليمنى نحو الغابة، وفي تلك اللحظة أقبل شاب نحيل يبدو عليه الإرهاق بعد يوم كامل من العمل..
    فألقى عليه التحية:
    - إلى أين أنت ذاهب يا فتى بهذه العربة؟ إنها المرة الأولى التي أراك فيها وأظنك غريب عن المنطقة، فهل ترغب بالمساعدة؟
    فابتسم علاء شاكرا:
    - جزاك الله خيرا، إنني في طريقي إلى حقل الربيع..
    فقال الشاب بدهشة:
    - لكن الظلام سيحل بعد قليل، وحقل الربيع بعيد جدا من هنا!
    فرد علاء بثقة:
    - هذا لا يهم فأنا مضطر لإحضار الأعشاب من هناك..
    لم يخف الشاب استنكاره وهو يقول:
    - أتذهب كل هذه المسافة من أجل أعشاب ؟ الأعشاب والحشائش متوفرة بكثرة بالقرب من هذا المكان!
    فرد علاء باقتضاب:
    - ولكن من واجبي إحضارها من حقل الربيع!
    تغيرت ملامح وجه الشاب متسائلا :
    - وهل أنت تعمل عند رجل قاس عنيد إلى هذا الحد أيها الصغير؟
    هز علاء رأسه نفيا وهو يجب:
    - كلا ، ولكنني أود الالتحاق بمدرسة النصر و.....
    فقاطعه الشاب بنبرة غريبة:
    - آه.. مدرسة النصر واختباراتها ! ولماذا تود الالتحاق بها، إنها مدرسة سيئة جدا تكلف الطلاب ما لا يطيقونه من أجل مصلحة القائمين عليها!!
    تغير وجه علاء فقال غاضبا:
    - إنهم جميعا طيبون وهدفهم نبيل، بالإضافة لكونهم لا يأخذون مالا مقابل ما يقدمونه لنا..
    فضحك الشاب ساخرا:
    - يا لك من ساذج مغفل.. إنني لا ألومك على أية حال فقد حبكوا خطة محكمة لإخفاء حقيقة نواياهم، واستطاعوا لسوء الحظ خداع الكثيرين..
    وأشار إلى صدره وهو يتابع بغرور عجيب:
    - لكنني أنا عماد لا تنطلي عليّ حيلهم القذرة ..
    ثم قال بصرامة يحاول تغيير نبرته، وهو يرى آثار الاستياء بادية على وجه علاء:
    - آسف يا صديقي، لا تظنني أنانيا أو مغرورا كما يبدو، فربما أخطأت التعبير ولكنها الحقيقة، أخبرني اذن كيف يسمحون لك باجتياز هذه الغابة وقت الغروب! ألا تعلم أن هذا خطر جدا عليك؟
    فأجاب علاء مدافعا:
    - الخطأ خطئي، فأنا من تأخر، ولو التزمت بالتعليمات لتجاوزتها في وقت النهار..
    وهم علاء بمتابعة طريقه؛ لكن عماد استوقفه قائلا:
    - لا تحمل نفسك المسؤولية، انظر إلى الأعداد الهائلة التي انسحبت منها والتحقت بمدرسة الفوز، هل هذا يعني أن جميعهم مخطئون!!
    بدا الاهتمام واضحا على وجه علاء، لا سيما وأن مدرسة الفوز قد أثارت فضوله منذ البداية، فانتهز عماد هذه الفرصة قائلا:
    - حسنا ما رأيك أن تأتي معي الآن فنحن لم ننته من توديع فصل الشتاء بعد، ومنزلي قريب من هنا.. ستسر أمي برؤيتك كثيرا..
    تردد علاء كثيرا، فرغم ثقته الشديدة بمدرسة النصر؛ إلا أن تأثير كلمات عماد لم يكن سهلا، فقد بدأت الشكوك تتسلل إلى نفسه دون أن يشعر، وصور العمل الشاق في الإسطبل، ومخازن الحبوب، بالإضافة على غرفة الامتحان الخانقة تتجسد أمامه لتتواءم مع تلك الكلمات، ليجد نفسه في حيرة شديدة، أيتابع طريقه عبر الغابة!
    أما عماد فلم يدعه لأفكاره – وهو يتابع معركة حامية في أعماق نفسه– إذ سرعان ما انتزعه منها بقوله:
    - ستغرب الشمس بعد قليل، فأين ستصلي المغرب؟
    فأجابه علاء بشرود:
    - سأصلي بالطريق إن شاء الله، فما زال أمامي بعض الوقت، وكل لحظة تضيع ليست في صالحي إذ علي الإسراع بالعودة..
    تنهد عماد بيأس:
    - أمازلت تفكر بالمدرسة!! حسنا لا بأس..
    ثم التقط نفسا قبل أن يقول:
    - اسمعني جيدا، المكان ما زال بعيدا من هنا ولا أظنك تستطيع العودة هذه الليلة على أية حال، ومجيئك معي لبعض الوقت لن يضرك بشيء..
    لم يخف على علاء ملاحظة قرب دخول وقت المغرب، وعليه أداء الصلاة، فسأل عماد:
    - هل هناك مسجد قريب من هنا؟
    أشرق وجه عماد بابتسامة جذلة، وهو يرى الفرصة مواتية:
    - المسجد قريب من منزلي، وسنصلي المغرب هناك جماعة، ما رأيك؟
    وأخيرا أسقط في يد علاء فسار مع عماد مسلوب الإرادة..
    سار الاثنان مبتعدين عن مفترق الطريق، وعلاء ما زال مطرقا قلقا وهو يسائل نفسه:
    - هل الشاب أهلا لثقتي يا ترى فأنا لا أعرف من هو حتى الآن!! كيف سلمت له بهذه السهولة.. ربما استغل موضوع سؤالي عن الصلاة ليستدرجني معه.. ألم يكن من الأفضل لي أداء الصلاة في طريقي!!


    *****
    من هو هذا الشاب الغريب؟ وكيف سيتصرف علاء معه؟

    هذا ما سنعرفه في الحلقة القادمة إن شاء الله، فكونوا معنا (:

    وصل اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم


  6. #26
    سبيستوني بطل الصورة الرمزية artimis
    تاريخ التسجيل
    08 Jan 2017
    الحنس:
    أنثى
    المشاركات
    22,288
    مساء السعادةة و تفاؤل كيفك جيد أن علاء لم يستخدم تلك ورقة ^^

    يبدو فتى جديد غريب حتى أنه لم يعرف نفسه بطريقة لائقة ♥

    مدرسة الفروسية سيئة ف نظر البعض هل وراءها قصة مخفية لتحصل على تلك سمعة ☆



    ( ليانا المحاربة الشرسة. آيريس المحاربة الأسطورية. كآثرين أسطورة غامضة ) ♡

    يمنع إستخدام أي من أسماءي ف المنتدى و شكرآ ♥



  7. #27
    سبيستوني ناشئ الصورة الرمزية alfurussiah
    تاريخ التسجيل
    05 Jun 2019
    الحنس:
    أنثى
    المشاركات
    179
    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة artimis مشاهدة المشاركة
    مساء السعادةة و تفاؤل كيفك جيد أن علاء لم يستخدم تلك ورقة ^^

    يبدو فتى جديد غريب حتى أنه لم يعرف نفسه بطريقة لائقة ♥

    مدرسة الفروسية سيئة ف نظر البعض هل وراءها قصة مخفية لتحصل على تلك سمعة ☆



    الحمد لله أنك وجدتِ علاء عند حسن ظنك ^^|
    ولكن هل سيبقى كذلك؟؟؟

    الحلقة العاشرة في الرد التالي إن شاء الله

    وصل اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

  8. #28
    سبيستوني ناشئ الصورة الرمزية alfurussiah
    تاريخ التسجيل
    05 Jun 2019
    الحنس:
    أنثى
    المشاركات
    179

    الحلقة العاشرة: الطريق إلى حقل الربيع!


    الحلقة العاشرة: الطريق إلى حقل الربيع!


    اشتعلت الشكوك في رأس علاء في حين انطلق الشاب يتحدث عن نفسه، وهو يحاول جذب اهتمامه:
    - كما أخبرتك أدعى عماد وأعمل في حقل قريب من هنا منذ وفاة والدي، حيث أعيل نفسي وأمي العجوز، أفلا تحدثني عن نفسك يا..
    ثم استدرك:
    - لم تخبرني باسمك بعد!
    فأجابه ببرود شديد:
    - علاء..
    وما لبثت أن لمعت عيناه وهو يتوقف فجأة:
    - لقد اتخذت قراري، سأتابع طريقي نحو حقل الربيع..
    لكن عماد تشبث به قائلا:
    - ماذا أصابك يا علاء؟؟ لقد وصلنا المنزل تقريبا، ولا شك أنك جائع وبحاجة إلى حساء ساخنكما قلت لك.. في مثل هذا الجو البارد، وأؤكد لك مرة أخرى، مدرسة النصر سيئة جدا ولا داعي لعودتك إليها لتلقى ما لا تطيقه من أعمال وتوبيخ وعقاب لأتفه الأسباب! ستندم وستذكر عندها أنني حذرتك بعدما يكون قد فات الأوان، فدخول المدرسة شيء، أما الخروج منها فهو شيء آخر!
    ارتبك علاء قليلا لكنه قال:
    - لست متأكدا من هذا، ثم إنني بحاجة إليها فلا يوجد أمامي خيار آخر!
    فقال عماد باستسلام:
    - إذا كنت مصرا فلا مانع، سنصلي المغرب، ثم تبيت هذه الليلة عندي وفي الصباح الباكر تذهب حيث تريد..
    لم يتمالك علاء نفسه، وهو يصرخ بوجه عماد قائلا:
    - ألا تفهم!! دعني وشأني ولا تؤخرني أكثر فهذا يكفي!
    لكن عماد بدا مصرا على موقفه هو الآخر:
    - لا داعي لكل هذا الصراخ، مادام الأمر كذلك، سأعطيك الحشائش من الحقل الذي أعمل فيه فلدي خبرة واسعة في معرفة الحشائش الجيدة..
    نجح عماد في ضربته تلك؛ إذ جاءت على وتر حساس لدى علاء، خاصة وهو يشعر بتأنيب الضمير على رفع صوته في وجه عماد، فما ذنبه؟ وتساءل في سره:
    - بما أن عماد خبير في هذا المجال، و سيعطيني حشائش جيدة فما المانع في ذلك؟ أليس المهم أن لا تكون الحشائش ضارة أو سامة كما أخبرني المشرف!
    لكنه قال بتردد واضح:
    - من المفترض أن أحضر الحشائش من حقل الربيع ولا حقل سواه.. هذا ما أكده لي المشرف عاطف..
    تنهد عماد وقد أوشك صبره على النفاد من هذا الصبي العنيد:
    - أخبره بأنها من حقل الربيع وسيصدقك..
    عندها استشاط علاء غضبا:
    - وهل تريديني أن أكذب!! ألم تعلم بأن المؤمن لا يكذب وأن الرجل مازال يكذب حتى يكتب عند الله كذابا! وأن الكذب يهدي إلى الفجور وأن الفجور يهدي إلى النار؟! كما أخبر بذلك الرسول صلى الله عليه وسلم..
    ثم تابع وهو يلتقط أنفاسه المتلاحقة:
    - كل شيء إلا الكذب!
    دهش عماد من صلابة علاء فسأله بلطف :
    - أخبرني، متى تعلمت كل هذا أيها الخطيب المفوّه!
    حاول علاء تجاهل تعليقه الساخر، رغم استيائه الشديد منه خاصة وأنه يذكره بريحانة تلك الفتاة التي قابلها في دار الاستراحة وهمهم في نفسه:
    - ما أغرب هؤلاء الناس!
    وقبل أن يحاول عماد تدارك خطأه مع علاء، ارتفع صوت الآذان من مسجد قريب فلم يجد علاء بدا من مرافقة عماد إليه لأداء صلاة المغرب..
    انتهت الصلاة بتسليم الإمام، فسلم علاء من خلفه ورفع يديه بضراعة:
    - ساعدني يا رب..
    لم يستطع علاء التملص من قبضة عماد الذي أصر على اصطحابه إلى المنزل:
    - لا تضيع الوقت أكثر يا علاء، فمنزلنا قريب من هنا وأنت بحاجة إلى حساء ساخن كما قلت لك..
    فتحت سيدة هزيلة مسنة بدا عليها الإعياء والمرض باب المنزل بعد بضع طرقات عليه، و تهلل وجهها برؤية عماد قائلة:
    - لقد تأخرت اليوم.. كدت أقلق عليك يا بني!
    فأسرع عماد يقبل يدها:
    - سامحيني يا أماه..
    أما علاء، فقد أخذ لبه ما رآه، وهو يتذكر أمه الحنون الرؤوم التي لا يعرف شيئا عنها حتى الآن، فترقرقت دمعة في عينه نجح في إخفائها، حين قدمه عماد إلى أمه:
    - ضيف عزيز حل بنا يا أمي..
    فابتسمت الأم مرحبة:
    - أهلا بك يا صغيري، تفضل فالجو بارد والحساء الساخن بانتظاركم..
    ثم أسرعت تعد طبقا إضافيا لعلاء وقد امتلأ وجهها بهجة وسرورا..
    لم يستطع علاء تناول طعامه، فنهض معتذرا:
    - جزاك الله خيرا يا خالتي، ولكنني مضطر للذهاب..
    ثم نهض قبل أن يشد عماد يده:
    - لا تكن متسرعا هكذا يا علاء! فأنت لم تأكل شيئا!!
    فرد علاء بحزم:
    - لا أستطيع..
    ثم التفت إلى الأم:
    - أكرر اعتذاري يا خالتي فحساؤك شهي، ولكنني في عجلة من أمري لذا أرجو أن تقدري موقفي..
    فابتسمت الأم برفق:
    - لا بأس يا بني لن نثقل عليك أكثر.. فقد سررنا بزيارتك لنا، وفقك الله وكان في عونك..
    ودعها علاء وخرج بسرعة يجر عربته خلفه كأنه يخشى أن يغير موقفه، و لم يكد يتنفس الصعداء وهو يبتعد بما فيه الكفاية، حتى سمع صوت عماد خلفه يتبعه مستوقفا، فالتفت إليه متسائلا:
    - خير إن شاء الله! ما الذي جاء بك خلفي أيضا؟؟ لقد اتخذت قراري وعزمت أمري فلا تحاول المراوغة معي من جديد..
    فابتسم عماد:
    - ما هذا الاستقبال الحار يا رجل ؟ هل مُنعت أيضا من مرافقة الأشخاص في الطريق؟!
    فكر علاء قليلا قبل أن يقول:
    - ولكنك تركت أمك وحدها..
    - لا تقلق بشأنها، فهي من أصرت على لحاقي بك ومرافقتك..
    و ابتسم ملاطفا:
    - ألا تحب أن نصلي العشاء جماعة؟
    فرفع علاء رأسه إلى السماء متأملا تشابك النجوم، قبل أن يقول:
    - لقد دخل موعدها فعلا ، كيف لم انتبه إلى صوت الأذان!!
    فقال عماد مشيرا بيده:
    - هيا بنا، ستقام الصلاة بعد قليل في ذلك الجامع..
    وبعد أن تابعا طريقهما ليصلا مفترق الطريق من جديد، سلك علاء طريق الغابة، فقال عماد قاطعا ذلك الصمت الذي أطبق عليهما طوال المسير:
    - لماذا تأخذ هذه الجهة، فالجهة الأخرى أقرب للحقل وآمن في مثل هذا الوقت!
    لم يعد علاء يهتم بما يسمعه، فتابع سيره قائلا:
    - لقد طُلب مني السير في هذا الاتجاه، ثم إنني لم أطلب منك مرافقتي..
    بدا هلال آخر الشهر غير قادر على إنارة الطريق، لكن الظلام الحالك ساعد أشعته الفضية الواهنة كي ترسم الظلال الموحشة على أرض الغابة مما زاد المكان رهبة ووحشة..
    وبعد أن قطع الاثنان مسافة لا بأس بها، همس عماد:
    - أتسمع هذا الصوت؟
    أرخى علاء أذنيه لكنه لم يسمع شيئا، رغم قلق خفيف ساوره فحاول التغلب عليه بقوله:
    - يبدو لي أنك تود تعكير صفو الرحلة علي، فإن كنت خائفا فلماذا لا تعود إلى بيتك قبل أن تبتعد أكثر؟
    استشاط عماد غيظا لكنه لم يقل شيئا..
    كانت الأشجار العالية والأغصان المتشابكة وحفيف الأوراق يثير الرعب حقا، حتى أن علاء شعر بارتياح كبير لوجود عماد معه. وبينما كان السكون يخيم على المكان إلا من صوت عجلات العربة؛ إذ سمعا صوت أعواد تتكسر وحشائش تتحرك بالقرب منهما، كان موقفا حرجا جدا.. وما هي إلا لحظات حتى ظهر أمامهما ذئب لمعت عيناه وبرقت أنيابه.. وبدا تحت ضوء القمر كشبح مخيف..
    كاد علاء أن يصرخ من هول المفاجأة التي لم تخطر بباله، لكن صوته ذاب في حلقه وتجمد في مكانه فلم يستطع الحراك، أما الذئب فقد بدأ بالتقدم نحوهما استعدادا لانقضاض مباغت، قفز بقوة نحو علاء الذي تسمرت قدماه من هول المفاجأة؛ لكن اندفاع عماد بسرعة نحوه أنقذته من براثن الذئب القاتلة.. وقع الاثنان أرضا والتوت ساق عماد الذي حاول حماية علاء بجسده فتأوه من شدة الألم، وازداد الذئب شراسة؛ فاتجه نحوهما مكشرا عن أنيابه، عندها تذكر علاء العصا التي ما زال يحملها بيده دون أن يشعر، فما أن اندفع الذئب نحوهما من جديد، حتى استعد علاء- وهو يحمل العصا بكلتا يديه- وأصبح التحدي واضحا.. وفي اللحظة التي انقض فيها الذئب نحوه؛ قفز علاء للأعلى، وبكل ما أوتي من قوة هوى بالعصا على رأس الذئب، وهو يكبر بأعلى صوته تكبيرة تجلجلت لصداها أرجاء الغابة– مستعينا بالله – فترنح الذئب ثم سقط أرضا، وانقض علاء عليه بالعصا يزيده ضربا و ضربا حتى فارق الذئب الحياة..
    التقط علاء أنفاسه المتلاحقة، وهو يشعر بنشوة الانتصار، رغم التعب الذي حل به فارتكز إلى جذع شجرة، وعماد يرمقه بنظرات إعجاب شديدة.. فنظر إليه علاء متسائلا:
    - هل أنت بخير ؟
    ابتسم عماد:
    - لا تقلق يا علاء، تستطيع متابعة السير وحدك فإنك شجاع لا يُخشى عليك..
    قال جملته وهو يتحسس قدمه الملتوية التي آلمته إيلاما شديدا..
    لكن علاء اعترض قائلا:
    - لن أتخلى عنك في مثل هذه الظروف، ثم إنني مدين لك في إنقاذي فجزاك الله خيرا..
    واقترب من عماد متفحصا قدمه رغم الظلام:
    - أعتقد أن قدمك قد التوت فقط، سأحاول ربطها كما كانت تفعل أمي، ومن ثم نستريح قليلا ريثما تشعر بتحسن..
    فقال عماد:
    - لكنك ستتأخر كثيرا..
    لم يبال علاء بكلماته فهذا واجبه أيضا، وبعد أن أحكم الرباط؛ نهض عماد قائلا:
    - أعطني العصا التي معك، سأرتكز عليها وهيا بنا نتابع المسير، فالمكان غير آمن هنا وقد تفاجئنا ذئاب أخرى!
    وافقه علاء وتابعا السير ببطء، إلى أن وصلا نهاية الغابة..


    بدأت الأراضي الفسيحة تستعد لتصحو من غفوتها، وقد أسفرت السماء عن الخيط الأبيض من الفجر، فأديا صلاة الفجر جماعة وحدهما في العراء، بعد أن أذن علاء بصوته الجهوري، وقام عماد بالإمامة، ثم تابعا السير إلى أن بدأت الشمس ترسل خيوطها الذهبية، لتبدد ظلام الليل وتعلن إطلال صبح يوم جديد..
    بدت الحقول على امتداد البصر تتباهى بجمالها وهدوئها، بعيدا عن أجواء المدينة المزدحمة، وتفخر بالفلاحين الذين شرعوا بالعمل فيها بهمة ونشاط قبيل شروق الشمس، وبعد أن تجاوزا بضعة حقول التفت عماد إلى علاء الذي بدأ بالتثاؤب، مشيرا إلى حقل بعيد:
    - هاهو ذا حقل الربيع، علينا أن نسرع فلم يبق أمامنا إلا القليل..
    وجد علاء أكوام الحشائش مرصوصة فوق بعضها البعض بجانب سور الحقل القصير، كما أخبره المشرف عاطف، وما عليه سوى تحميلها فوق العربة، وفي تلك الأثناء خرج صاحب الحقل من وسط سنابل القمح الخضراء الطويلة فهش لرؤية عماد وبش، وصافحه قائلا:
    - الحمد لله الذي صبحنا بوجهك، ما هذه الوحشة يا عماد؟
    فأطرق عماد وقد شعر بتقصيره الشديد:
    - إنها مشاغل الحياة يا عمي، فأنت تعلم أن بودي رؤيتك دوما..
    فقال الفلاح باسما:
    - أتمنى ذلك، فأنت تذكرني بوالدك الصالح رحمه الله، لقد كان نعم الرجل ..
    ثم استدرك وهو يتأمل قدمه المربوطة، والعصا التي يتوكأ عليها:
    - خير إن شاء الله، هل أصابك مكروه يا بني؟
    فرد عماد باسما:
    - لا تقلق يا عمي، مجرد التواء بسيط..
    ثم قدم علاء له قائلا:
    - هذا صديقي الصغير علاء، جاء لأخذ الحشائش من هنا..
    ورغم أن علاء لم يعجبه تعليق عماد بوصفه صغيرا، لكنه حيا الفلاح ربيع بابتسامة عريضة، ليبدأ بعدها بنقل الحشائش إلى عربته بهمة ونشاط..
    التفت الفلاح ربيع إلى عماد، وقد بدا متشوقا لسماع أخباره:
    - وكيف حال أمك الآن؟
    فتنهد عماد بألم:
    - ما تزال تعاني من آلام الظهر والمفاصل، ولم تفلح جميع الأدوية والمراهم في علاجها..
    - كان الله في عونها، فلنعم الأم الصابرة هي، أرجو أنك لم تعد تزعجها..
    احمر وجه عماد خجلا:
    - سامحك الله يا عمي! منذ متى عهدتني أزعج أمي لا سمح الله!
    فغمزه الفلاح الطيب:
    - أنت تعرف ما أعني يا بني..
    وضحك الاثنان..
    كان الفلاح ربيع يراقب علاء معجبا بجده، فابتسم معلقا:
    - بارك الله فيك يا بني، يبدو أنك متقدم جديد لمدرسة النصر.. أليس كذلك ؟
    فرد علاء وهو يتابع عمله:
    - بلى..
    فتابع الفلاح كلامه:
    - إنني أتعامل مع المدرسة منذ نشأتها تقريبا، حيث أضع الحشائش في هذا الجانب ليأتي من يأخذها من مدرسة النصر..
    فتساءل علاء وقد توقف عن عمله لبرهة:
    - ألا تأخذ شيئا مقابل ذلك ؟
    فابتسم الفلاح:
    - بل الشيء الكثير.. فأنا لا أحتاج لهذه الحشائش أولا.. ثم إن مدرسة النصر مدرسة رائعة حقا، وهذه هي السنة الثالثة منذ أن فتحت أبوابها لاستقبال الطلبة ولم نسمع عنها إلا كل خير، جزى الله خيرا القائمين عليها وبارك الله في جهودهم وغاياتهم، وأقل القليل أن نساعدهم بقدر استطاعتنا؛ لعلنا نشاركهم الأجر والثواب من الله سبحانه وتعالى..
    اكتفى علاء بإلقاء نظرة عتاب مباشرة في عيني عماد، قبل أن يتابع نقل الحشائش إلى العربة..
    وفي تلك الأثناء خرجت فتاة صغيرة، في الثامنة من عمرها، من داخل الحقل وهي تهتف بحماسة:
    - لقد أنهيت اقتلاع جميع الأعشاب الصغيرة من الصف يا أبي..
    فالتفت إليها ربيع باسما:
    أحسنت صنعا يا ابنتي..
    تهلل وجه عماد معلقا:
    - ما شاء الله، لقد أصبحتِ كبيرة يا ليلى، ما هذه المفاجأة! لم أتوقع رؤيتك هنا..
    توردت وجنتا ليلى لتصطبغان بلون شعرها المحمر، المتحلق حول وجهها - ذي البشرة البيضاء الصافية- والمنسدل على كتفيها بتموج يتهادى مع نسمات الهواء العليلة، فبدت متميزة جدا بهيأتها، حتى أن علاء لم يخف عليه ملاحظة ملامحها وتقاسيم وجهها التي شعر بأنها مختلفة تماما عن أهل المنطقة بأسرها، لون عينيها ظهر وكأنه خليط من الأخضر والأزرق مع ألوان أخرى انعكست تحت أشعة الشمس، حتى يحتار من يراها ألخضرة تغلب عليها أم أنها مجرد انعكاس لمعطفها الأخضر! أما اتساع عينيها فيوحي للناظر بأنه يرى صورته في مرآة صافية، كانت مختلفة بشكل كبير عن الفلاح ربيع ولم يبد أنها تمتُ بصلة قرابة له عوضا عن أن تكون ابنته!
    لم ينتبه علاء لنفسه وهو يحدق بليلى، التي التصقت بوالدها وهي تشير إليه:
    - من هذا الولد يا أبي؟؟
    فأنبها ربيع بقوله:
    - كم مرة أخبرتك أنه ليس من اللباقة الإشارة إلى الآخرين بهذا الشكل يا ابنتي!
    شعر علاء بالحرج نيابة عن الفتاة، وحاول أن يتجاهل ذلك بمتابعة العمل في نقل الحشائش، لكن عماد انتهز هذه الفرصة مخاطبا ليلى:
    - هذا هو البطل علاء الذي قتل الذئب المتوحش في الغابة..
    أثارت كلماته ليلى فتساءلت بفضول:
    - حقا ما تقول!! هل قتل الذئب!!
    أومأ عماد مبتسما، وقد سره اهتمام ليلى:
    - بالتأكيد يا صغيرتي، لقد كنت معه ورأيته بأم عيني..
    قال جملته الأخيرة وهو يشير إلى عينيه الاثنتين كمن يشرح لطفل صغير ما معنى كلمة عين، لكن ليلى قابلته بطبيعتها المشاكسة التي عهدها بها:
    - حتى نجيب يستطيع قتل الذئاب المفترسة!
    لم يتمالك ربيع نفسه وهو يتابع الحوار بين الاثنين قائلا:
    - وما دخل نجيب الآن؟
    لكن عماد غير الموضوع بسؤاله:
    - ما هي أخبارهم يا ترى؟ لم أسمع عنهم منذ فترة طويلة؟
    فبادرته ليلى بقولها:
    - لقد وُلد مهر صغير في مزرعتهم البارحة، وقد وعدني نجيب بأنه سيأتي لاصطحابي لرؤيته..
    لم تكد ليلى تتم كلامها حتى أقبل فَتَيان يكبران علاء بقليل على أحصنتهما، فهتفت ليلى وهي تقفز هنا وهناك ملوحة لهما بيدها، لتظهر عصبة خضراء ملفوفة حول معصمها بإتقان، وهي تهتف:
    - نجيب.. نبيل.. لقد تأخرتما كثيرا!
    ترجل فتى قوي البنية عن حصانه البني وبدا أنه الأكبر، ألقى التحية مسلما على الفلاح ربيع، وما إن انتبه لوجود عماد حتى هتف فرحا وهو يعانقه:
    - يا لهذه المفاجأة الرائعة، كيف حالك يا عماد، لقد مضى وقت طويل منذ آخر مرة زرتنا فيها في المزرعة!
    ضرب عماد على كتفه ضاحكا:
    - ما شاء الله.. لقد أصبحت رجلا يعتمد عليه يا نجيب..
    ثم التفت إلى نبيل الذي ترجل عن حصانه هو الآخر..
    كان لقاء حارا شعر علاء من خلاله بمدى قوة العلاقة التي تربطهم، فلم يشأ إزعاجهم بعد أن انتهى من ملء عربته حتى آخرها، ورغم أنه من غير اللباقة أن يذهب دون أن يسلم عليهم وعلى الفلاح ربيع بالذات، إلا أنه آثر الانسحاب بهدوء، فقد كان يشعر بالحرج من وجوده بينهم، لكن عماد انتبه له، فناداه قائلا:
    - إلى أين أنت ذاهب، انتظر لحظة!
    والتفت إلى نجيب ونبيل:
    - لم أعرفكما بعلاء..
    لم يكد عماد يتم عبارته، حتى أسرعت ليلى تقول:
    - يقول أنه قتل ذئبا متوحشا في الغابة..
    شعر علاء بالحرج لهذا الكلام، لكن نبيل أسرع يمد يده مصافحا:
    - هذا رائع، لا شك أنك شجاع جدا ما شاء الله، اسمي نبيل، وهذا أخي الكبير نجيب، أهلا بك يا علاء، سررنا بمعرفتك..
    ثم صافحه نجيب قائلا:
    - لا شك أنك متقدم جديد لمدرسة النصر، فهذا ما تدل عليه هيأتك، أتمنى لك التوفيق فيها..
    فابتسم علاء وقد سعد لهذا التعارف اللطيف:
    - شكرا لك، جزاك الله خيرا على دعوتك الطيبة..
    ثم سأله مستدركا:
    - وهل هناك ملامح خاصة للمتقدمين للمدرسة؟
    فابتسم نجيب:
    - لست أدري تماما، ولكن هذا ما شعرت به..
    فبادله علاء الابتسام:
    - يبدو أنك تمتلك حواس خاصة تكشف لك الأشياء!
    فضحك نجيب ونبيل وهما يتبادلان نظرات ذات معنى، قبل أن يقول نبيل موضحا:
    - هذا ما كنت أقوله لأخي دائما..
    فتدخل عماد معلقا:
    - توارد أفكار رائع يا شباب، يبدو أنه لم يعد لي مكان بينكم!
    فقال ربيع:
    - إن كنت أنت تقول هذا، فماذا عني أنا!
    وضحك الجميع بمرح..
    انتبه علاء لمرور الوقت الذي لم يكن في صالحه، فاستأذن معتذرا:
    - لقد سعدت كثيرا بمعرفتكم، ولكن علي الذهاب الآن..
    وبعد أن شكر الفلاح ربيع بأدب جم، صافح نبيل ونجيب الذي شد على يده قائلا:
    - ابذل جهدك يا علاء، فستصبح فارسا مذهلا بلا شك..
    لم ينتبه علاء لتلك النبرة الحزينة في صوت نجيب، فقال محمسا:
    - وماذا عنك يا نجيب، لماذا لا تلتحق بالمدرسة أيضا، سيكون هذا رائعا جدا..
    لكنه بتر كلامه بسرعة بعد أن لاحظ أثر كلماته على وجه نجيب، كانت بمثابة الخنجر القاتل دون أن يدري، لكنه أدرك ذلك متأخرا بعد أن رد عليه نجيب باقتضاب:
    - لكل منا ظروفه..
    ثم التفت إلى نبيل وهو يمتطي حصانه:
    - هيا بنا، لقد تأخرنا نحن أيضا..
    أسرعت ليلى تجري خلفه وهي تهتف:
    - إلى أين يا نجيب؟ ألم تعدني أن تأخذني لأرى المهر الصغير!
    إلا أنه لم يلتفت إليها وهو يعدو بحصانه مبتعدا، فأسرع نبيل يساعدها على النهوض من سقطتها أثناء محاولتها اللحاق بنجيب، مهدئا:
    - سنعود لأخذك في ما بعد يا ليلى، فلدينا بعض الأمور الهامة الآن، هيا ابتهجي أرجوك..
    شعر نبيل بحرج شديد من الموقف الذي أربك علاء وأحزن أخاه، فحاول اصطناع ابتسامة وهو يودع علاء، ممتطيا حصانه هو الآخر:
    - اعذرنا على هذه العجلة يا علاء، فلدينا أشغال هامة، نراك على خير فانتبه لنفسك يا صديقي..
    ابتعد نبيل ولم ينبس علاء ببنت شفة، فلم يكن قادرا على استيعاب ما حدث، حتى فاجأته ليلى بنظراتها المحتدة وقد نفرت من عينيها دموع ساخنة:
    - كل هذا بسببك، لقد كنت قاسيا جدا في كلامك مع نجيب، ألا تعلم أنه لا يستطيع الذهاب إلى المدرسة!!

    *********
    ها هو علاء قد تمكن أخيراً من الوصول إلى حقل الربيع، ولكنه لم يتوقع أن يجد نفسه في مشكلة كهذه مع اشخاص لم يتعرف عليهم جيدا بعد!! فهل أخطأ فعلاً في حق نجيب كما تقول ليلى؟
    وكيف سيؤثر هذا على عليه؟
    وكيف سيتابع طريقه؟
    وهل سيتمكن علاء في النهاية من الالتحاق بمدرسة النصر للفروسية؟

    هذا ما سنعرفه في الحلقة القادمة إن شاء الله، فكونوا معنا ^^

    وصل اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

  9. #29
    سبيستوني بطل الصورة الرمزية artimis
    تاريخ التسجيل
    08 Jan 2017
    الحنس:
    أنثى
    المشاركات
    22,288
    مرحبا أرى أنه لم يخطأ ف سؤاله لكنه ضرب على وتر حساس ^^


    هنالك قصة ارجو ان نسمعها ف حلقة قادمة وبارك الله ف جهودك ♥



    ( ليانا المحاربة الشرسة. آيريس المحاربة الأسطورية. كآثرين أسطورة غامضة ) ♡

    يمنع إستخدام أي من أسماءي ف المنتدى و شكرآ ♥



  10. #30
    سبيستوني ناشئ الصورة الرمزية alfurussiah
    تاريخ التسجيل
    05 Jun 2019
    الحنس:
    أنثى
    المشاركات
    179
    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة artimis مشاهدة المشاركة
    مرحبا أرى أنه لم يخطأ ف سؤاله لكنه ضرب على وتر حساس ^^


    هنالك قصة ارجو ان نسمعها ف حلقة قادمة وبارك الله ف جهودك ♥



    ما شاء الله عليك!!!
    أنت تتحدثين بلغة الرواية فعلا الآن: "لكنه ضرب على وتر حساس " ^^

    أحسنت
    الحلقة القادمة بعد قليل إن شاء الله (:

    وصل اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

  11. #31
    سبيستوني ناشئ الصورة الرمزية alfurussiah
    تاريخ التسجيل
    05 Jun 2019
    الحنس:
    أنثى
    المشاركات
    179

    الحلقة الحادية عشر: ليلى الربيع

    الحلقة الحادية عشر: ليلى الربيع

    - كل هذا بسببك، لقد كنت قاسيا جدا في كلامك مع نجيب، ألا تعلم أنه لا يستطيع الذهاب إلى المدرسة!!
    وجهت ليلى ذلك الاتهام لعلاء، بعصبية فأسرع الفلاح ربيع يعتذر نيابة عنها، وهو يؤنبها:
    - ما هذا الذي تقولينه يا ليلى، هذا عيب، علاء لم يفعل شيئا!
    فاكتفت ليلى بالبكاء وهي تجري مبتعدة داخل الحقل، مما زاد من شعور علاء بالذنب فأطرق نادما وهو يقول:
    - بل ما تقوله صحيح يا عمي، لقد أخطأت فلم أكن أعرف شيئا عن نجيب، ولم أكن أقصد..
    ثم نظر اليه بعينين متوسلتين:
    - أرجوك بلغ اعتذاري له، وأعتذر مرة أخرى عما سببته من إزعاج للجميع، فعلي الذهاب الآن..
    ربت ربيع على كتفه مبتسما:
    - لا تشغل بالك بما حدث يا علاء، فسرعان ما سيعود نجيب لطبيعته ، وأنا متأكد من أنه سيعود لاصطحاب ليلى لترى المهر، وستنسى ما حدث وكأن شيئا لم يكن، إنه سريع الانفعال وحسب هذا كل ما في الأمر، لقد اعتدنا عليه..
    صافح علاء الفلاح ربيع بحرارة، ثم التفت إلى عماد مادا يده:
    - حسنا إلى اللقاء..
    لكن عماد استوقفه مقاطعا:
    - ماذا أصابك يا ولد، سأعود معك.. فمنزلي في الطريق..
    كانت هذه هي المرة الأولى التي لا يلاحظ فيها علاء ملامح الطريق الذي يسير فيه، وهو يسلك طريق الوادي كما أخبره المشرف عاطف، فقد كان فكره لا يزال مشغولا بما حدث، ورغم أن عماد حاول التسرية عنه، إلا أن محاولاته لم تجد نفعا، فقال أخيرا:
    - إلى متى تنوي البقاء على هذا الحال يا علاء، الموضوع لا يستحق كل هذا!
    لكن علاء أجابه بحزن عميق:
    - بل يستحق أكثر، وربما لن تتاح لي فرصة رؤية نجيب مرة أخرى لأعتذر عما بدر مني، ليتني أستطيع إصلاح ما أفسدته على الأقل، بعد أن جرحت مشاعره دون أن أدري!!
    - لا تقلق يا علاء، فنجيب ليس ضعيفا، وسرعان ما سينسى، ألم يخبرك العم ربيع بذلك؟؟ إنها مجرد لحظات عابرة لا أكثر..
    فقال علاء بألم:
    - ولكنني أنا السبب فيها، ما قالته ليلى كان صحيحا..
    فوكزه عماد في خاصرته:
    - لا تكترث لكلامها فهي ما تزال صغيرة لا تعي ما تقول، ثم إنها مستعدة لفعل أي شيء من أجل الدفاع عن نجيب ونبيل، فهي تعتبرهم بمثابة أخوتها الحقيقيين خاصة وأنه لا يوجد لديها أخوة أو أخوات، لذا تراها تتصرف أحيانا مثل الأولاد على عكس أختهم نهى التي تصغرها بعامين فقط..
    فنظر إليه علاء متسائلا:
    - هل تعرفهم جيدا يا عماد؟
    أومأ عماد مجيبا:
    - بالطبع، فقد كان والدهم السيد جابر رحمه الله مزارعا معروفا وصاحب أكبر مزرعة خيول في المنطقة، كما كان صديق والدي المقرب رحمه الله.
    - والدهم توفي إذن!
    - أجل يا علاء، ولهذا السبب تحمل نجيب مسؤولية كبيرة، في مساعدة والدته للعناية بأخوته والقيام بشؤون المنزل عوضا عن المزرعة الكبيرة، فقد توفي والده قبل أن تضع أمهم أختهم الصغيرة نور التي تبلغ من العمر ثلاث سنوات الآن. ثم التقط نفسا قبل أن يتابع:
    - نجيب فتى طموح جدا يعانق السحاب بطموحه وآماله التي لا حد لها، لكن الظروف لا تسمح له بتفجير طاقاته المكبوتة في صدره، لذا تراه عصبي المزاج أحيانا، ومن لطف الله به أن سخر له ذلك الأخ الرائع نبيل، ما شاء الله..
    كان علاء لا يزال مطرقا يفكر بما يسمعه، عندما سمع صوتا يناديه من بعيد فتوقف على إثره ملتفتا إلى الوراء ليشاهد نجيب على صهوة جواده يلوح له من فوق قمة جبل مشرف على الطريق، ولم يكد علاء يرفع يده ملوحا لنجيب هو الآخر وقد أشرق وجهه بشرا، حتى قذف نجيب نحوه لفافة كبيرة، قائلا بصوته الجهوري:
    - أحتفظ بها وألجم بها حصانك، فهي هديتي لك يا علاء..
    التقط علاء ببراعة الرمية المسددة نحوه بإحكام، هاتفا:
    - جزاك الله خيرا يا صديقي، أعدك بأنني سأعود لزيارتكم عندما تتاح لي الفرصة إن شاء الله..
    كان حدثا كفيلا بقشع سحائب الغمة عن وجه علاء، أما عماد فقد سُرّ كثيرا برؤية صديقه الصغير يستعيد بهجته من جديد، فابتسم قائلا:
    - ألم أقل لك!
    فابتسم علاء وهو يحمل اللفافة كمن يحافظ على كنز ثمين:
    - لا.. لم تقل بأن نجيب سيأتي!
    ضحك عماد وهو يرى علاء بمزاج جيد فأحب ممازحته قليلا:
    - بالمناسبة، ما رأيك بليلى، رأيتك تحدق فيها، فهل أعجبتك؟
    ارتبك علاء لتلك الملاحظة، فأسرع يدافع عن نفسه:
    - لقد لفتت نظري وحسب فشكلها يبدو غريبا عن المكان..
    فغمزه عماد بعينه قائلا:
    - أخبرني ألم تكن جميلة ؟
    ثم ابتسم متابعا وقد أعجبه انفعال علاء:
    - هيا اعترف، دعنا نقول أنك أحببتها مثلا..
    صرخ علاء وقد احمر وجهه من شدة الغضب:
    - كفاك هراء ما هذا الكلام يا عماد، إنها لا تعدو عن فتاة صغيرة تُذكرني بأختي المتوفاة!
    لم يكن عماد يعلم عن أخت علاء شيئا وشعر أنه قد يقلب عليه مواجعه، فأدار دفة الحديث وهو يخرج من جيبه علبة اسطوانية الشكل، فتحها وأخرج منها عودا قائلا:
    - ما رأيك بعود كيومار لعله يعدل مزاجك قليلا؟
    شهق علاء وهو ينظر إلى عماد بدهشة:
    - هل تستعمل الكيومار يا عماد؟
    فرد عماد بلا مبالاة:
    - وما الغضاضة في ذلك!! إنها صنعة الرجال..
    شعر علاء بغيظ يتميز في جسده:
    - أي رجال هؤلاء!! ألم تسمع عن أضراره؟؟
    فأجابه عماد بثقة:
    - ولكنه ليس حراما، هناك من أفتى بأنه لا يعدو كونه مكروها لا أكثر..
    ثم تابع كلامه وهو يشعل العود ويقدمه لعلاء:
    - صدقني لن تندم، جرب واحدة فهي تهدئ الأعصاب كثيرا..
    لم يكد يتم كلامه، حتى تلقى ضربة قوية من يد علاء أطارت العود من يده، أطلق إثرها صرخة مروعة:
    - لقد كدت تكسر يدي!! ما هذا يا ولد!!
    فرد علاء ببرود:
    - تستحق أكثر من ذلك، هذا ما كان ينقصني منك يا عماد!!
    فأجابه عماد متأوها وهو يفرك يده:
    - لا ينفع معك المزاح أبدا..
    فرد علاء:
    - أرجو أن يكون درسا لا تنساه..
    ثم استدرك معاتبا:
    - أخبرني، لماذا أسأت إلى مدرسة النصر، وتكلمت عنها بغير الحقيقة؟
    فقال عماد:
    - اعترف أنني أخطأت.. لكنني كنت أعتقد دوما أنها سبب تعاسة ابن جيراننا الذي حطم آمال والده حين رفض منها بسبب فشله..
    ثم التقط نفسا قبل أن يتابع:
    - ولا أخفيك قولا يا صديقي .. فقد رفضت من العمل فيها بداية أنا أيضا..
    فغر علاء فاه دهشة:
    - أحقا ما تقول!!
    ابتسم عماد:
    - وما الغرابة في ذلك! هل تبدو علي النباهة والذكاء إلى الحد الذي يجبرهم على قبولي!
    قالها ضاحكا.. وسط تعجب علاء، ثم تابع :
    - اعترف أنني لم أكن أصلح لشيء وقتها رغم جهود والدي الكبيرة – رحمه الله – لكنني تغيرت الآن كثيرا بفضل الله ثم بدعاء أمي لي.. بالتأكيد ..
    ثم ابتسم مازحا:
    - ألا تعتقد بأنني أتحلى بشجاعة كبيرة لأتحدث عن نفسي هكذا! ما رأيك يا صديقي الصغير؟
    فابتسم علاء:
    - بل إنني واثق من هذا..
    فهز عماد رأسه برضا:
    - إذن، لا تكن مثل عمك عماد يا ولد، وابذل جهدك لتلتحق بمدرسة النصر بإذن الله..
    وأخيرا نظر علاء إلى عماد نظرة إعجاب، فابتسم الأخير وهو يحك رأسه:
    - لا تحدق بي هكذا يا ولد! إنك تشعرني بالحرج!!
    فبادله علاء الابتسام قائلا:
    - حسنا ولكن لا تنسني من دعواتك الطيبة يا عم عماد..
    عندها تكلم عماد بنبرة شيخ وقور وهو يربت على كتف علاء:
    - وفقك الله يا بني..
    وضحك الاثنان..
    وبعد أن تناولا الشطائر التي أعدتها والدة عماد على عجل وقد تضورا جوعا، قال علاء:
    - لا أعرف ما الذي جعلك تصر على اصطحابي إلى منزلك تلك الليلة!
    فابتسم عماد قائلا:
    - في الحقيقة أحببت إدخال البهجة على قلب أمي، فهي تفرح بالضيوف كثيرا لا سيما وهي تقضي معظم الوقت وحدها..
    هز علاء رأسه متفهما:
    - هكذا إذن..
    فقال عماد مؤنبا:
    - ولكن إياك أن تكرر ما فعلته مرة أخرى، فمن لطف الله بك هذه المرة أنني لم أكن سيئا على الإطلاق، كن أكثر حذرا في المرات القادمة..
    عندها رمقه علاء بنظرات متسائلة:
    - هل تعني أنك أجريت لي امتحانا ففشلت فيه يا أستاذ عماد؟
    فابتسم عماد مداعبا:
    - تستطيع قول هذا، فيبدو أنني أحببت أن تشاركني الشعور بالفشل في الامتحان..
    فابتسم علاء:
    - أعاذنا الله من الفشل واليأس ووفقنا لخيري الدنيا والآخرة..
    وردد عماد:
    - اللهم آمين..
    كانا قد وصلا مفترق الطريق، فشد عماد على يد علاء يودعه وهو يحاول إعادة العصا إليه، لكن علاء رفض قائلا :
    - لست بحاجة إليها، بينما أنت مازلت في حاجتها حتى تصل المنزل، فقدمك لم تشف بعد..
    فقال عماد وهو يرمي بثقله على العصا:
    - إذا كنت مصرا فجزاك الله خيرا..
    ثم التقط نفسا قبل أن يتابع بجدية كبيرة، رغم طبيعته الساخرة:
    - نصيحة صغيرة أرجو أن تتذكرني بها يا علاء.. لا تغضب كثير ا لتعليقات الآخرين وإلا كنت هدفا سهلا أمامهم وتذكر قوله تعالى: ( واعرض عن الجاهلين )..
    أشرق وجه علاء وقد أدرك أمرا عظيما يفتقر إليه كثيرا:
    - جزاك الله خيرا، لن أنسى نصيحتك القيمة أبدا بإذن الله..

    ***

    وصل علاء المدرسة ليجد عدنان بانتظاره على أحر من الجمر ..
    - الحمد لله على سلامتك يا علاء، لقد قلقت عليك كثيرا!
    فاعتذر علاء وهو يصافحه:
    - أنني آسف حقا فــ..
    لكن عدنان لم يمهله ليتم عبارته إذ سارعه بقوله:
    - فيما بعد يا صديقي ستخبرني بكل شيء- إن شاء الله- أما الآن فالمدير شامل بانتظارك..
    خفق قلب علاء بشدة وهو يدلف إلى غرفة المدير بحذر، وكأنه بات يخشى المفاجآت..
    وما إن وقف أمامه حتى ابتدره المدير بوجه يخلو من أي تعبير:
    - عدت توا من مهمتك، أليس كذلك ؟
    أومأ علاء برأسه وهو يشعر بحرج شديد:
    - بلى..
    فتابع المدير بحزم:
    - وهل أديتها على الوجه المطلوب منك؟
    أطرق علاء -وقد دارت الأفكار والأحداث التي مر بها في رأسه بسرعة - قبل أن يجيب:
    - ليس تماما!
    فسأله المدير:
    - ما الذي تقصده بقولك هذا؟؟ أريد جوابا شافيا..
    سرت رعشة خفيفة في جسد علاء لتلك اللهجة الصارمة، وهو يعلم يقينا أن لا شيء يعلو على الصدق وقول الحقيقة، فجمع شجاعته وهو عازم على ذكر أسباب تأخيره، بداية من جدار الأخبار وحتى التقائه بعماد وما صادفهم بعد ذلك، فقال:
    - إن أذنت لي يا سيدي المدير فسأحدثك بما حدث معي لتحكم بنفسك..
    أبدى المدير موافقته بقوله:
    - هات ما لديك..

    ***

    احتار علاء بعد خروجه كثيرا؛ فهو لا يعرف جهة محددة ينصرف إليها، إلا العودة إلى ذلك الإسطبل من جديد، فالمدير لم يجد له عملا آخرا ولم يعلمه بما يتوجب عليه فعله..
    استقبله عدنان بقلق شديد وهو يرى أمارات التجهم والذهول بادية على وجهه فهرع إليه، ليجلسا معا فوق القش في الإسطبل، بعد أن وضع عدنان فرشاة التنظيف من يده:
    - خير يا علاء، ماذا حدث ؟ هل من جديد!!
    أطرق علاء وهو يحاول الاحتفاظ برباطة جأشه، رغم قلقه الشديد:
    - الحمد لله، لا تقلق بشأني يا عدنان..
    لكن عدنان لم يتركه:
    - ألم يقل لك المدير شيئا ؟
    تنهد علاء أخيرا وهو يقول:
    - لا أدري ما الذي كان يعنيه بالضبط، لكنه أشار إلى أن الشجاعة والقوة من أهم ركائز المدرسة، ثم سألني عن أهم فائدة خرجت بها من تلك المهمة!
    فسأله عدنان بلهفة:
    - وماذا كان جوابك يا علاء؟
    فقال علاء بعد أن قص على عدنان ما حدث معه في الطريق:
    - قلت له بعد تفكير عميق، أنه برغم الفوائد الجمة؛ إلا أن هناك فائدتين عظيمتين احتار في تفضيل إحداهما على الأخرى، فالأولى تتعلق بشخصيتي، حيث نبهني عماد جزاه الله خيرا إلى قول الرسول صلى الله عليه وسلم: ( لا تغضب ).. بالإضافة إلى قضية هامة وخطيرة متمثلة في قوله سبحانه وتعالى: ( يا أيها الذين أمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين ) ، أما الثانية فهي أهمية اختيار الكلمات وانتقائها بدقة قبل نطقها، فقد نسبب إيذاءً لشخص ما دون أن ندري، وربما تكون سببا في ندامة لا تحمد عقباها، فالكلمة تملكها قبل أن تخرج، فإن خرجت ملكتك ولن تستطيع إعادتها..
    وصمت علاء يلتقط أنفاسه وصورة نجيب لا تفارق مخيلته، لكن عدنان حثه على المتابعة وهو يسأله:
    - وماذا كان رد المدير؟
    أغمض علاء عينيه كمن يتأمل المشهد لينقله بدقة:
    - دعا لي بالبركة والتوفيق ثم قال، آمل أن تكون قد وعيت ذلك جيدا، بعدها أخبرني أنني أستطيع الانصراف!
    فابتسم عدنان وقد اطمأن قلبه إلى حد كبير:
    - أبشر بخير يا صديقي، فكلام المدير مطمئن جدا..
    أطرق علاء برأسه مرددا:
    - أرجو ذلك..
    ثم التفت إلى عدنان والتردد باديا في عينيه، ولم يخف على عدنان ملاحظة ذلك فشجعه على الكلام بقوله:
    - كأن أمرا ما يشغل فكرك بشدة، هل هناك شيء يا علاء؟؟
    فقال علاء رغم تردده الواضح:
    - لا أعرف إن كان من حقي السؤال أم لا!
    وبعد أن التقط نفسا تابع:
    - هل تعرف نجيب ونبيل يا عدنان؟
    فقال عدنان:
    - تقصد أصحاب مزرعة الخيول؟
    فأومأ علاء برأسه إيجابا:
    - أجل، لقد أخبرني عماد أنهما يمتلكان مزرعة للخيول..
    فابتسم عدنان:
    - بالطبع أعرفهما، فهناك صلة قرابة تربطني بهما من جهة أمي..
    عندها فتح علاء فاه من المفاجأة:
    - أحقا ما تقول!! إذن أنت تعرفهما جيدا!
    ضحك عدنان من لهفة علاء قائلا:
    - إلى حد ما، فقد كنت أزورهما مع أمي، ولكن أخبرني، ما الذي تريد معرفته عنهما؟
    احمر وجه علاء خجلا فقد شعر أن في كلام عدنان إشارة إلى فضوله، لكنه قال:
    - لقد أخبرتك بما حدث مع نجيب وتأثره بكلامي.. في الحقيقة..
    وبتر كلامه، فتابع عدنان:
    - تريد أن تعرف الطريقة المناسبة لمساعدة نجيب في تحقيق طموحه وأحلامه بالالتحاق بالمدرسة؟ فأنت تشعر بالأسى من أجله أليس كذلك يا علاء؟
    فأجاب علاء بلهفة:
    - أنت تفهمني تماما يا عدنان!
    ثم تابع بانفعال شديد:
    - إذا كان لكل شخص ظروف تعيقه عن تحقيق أهدافه العظيمة؛ فمن سيقف في وجه أعداء أمتنا؟؟ ألسنا بحاجة لكل فارس قوي شجاع؟؟ لكم أتمنى أن أرى نجيب..
    وبتر علاء عبارته وهو في أوج انفعاله، فقد بات كلامه واضحا، عندها أومأ عدنان برأسه:
    - حسنا سأخبرك كل شيء عنهم، ولكن قبل ذلك أجبني، هل ما زلت تذكر مبادئ تنظيف الخيول؟
    بدت الدهشة على وجه علاء، لكنه أومأ برأسه:
    - أجل، ولكن ما علاقة هذا بما كنا نتحدث عنه!!
    فأردف عدنان موضحا:
    - ألم أنبهك الى ضرورة ملاحظة ضربات أذنها حتى لا تضغط على الأجزاء الحساسة في جسمها، فتلقى ما لا يحمد عقباه؟
    لمعت عينا علاء وقد فهم مغزى الحديث، فقال:
    - معك حق يا صديقي، يلزمني الكثير حتى أنتبه للأوتار الحساسة عند الآخرين فلا أضرب عليها، أعدك أنني سأبذل جهدي لأتجنب الوقوع في هذا الخطأ مرة أخرى إن شاء الله..
    فابتسم عدنان:
    - اسأل الله أن يوفقنا جميعا لحسن التصرف، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، هل وجود هذه الأجزاء الحساسة في جسم الحصان تمنعه من أداء مهمته؟
    لاذ علاء بالصمت وهو يحاول التمعن فيما يرمي له عدنان الذي التقط نفسا عميقا قبل أن يتابع:
    - أخبرني يا علاء، هل الأمة بحاجة إلى أن يصبح جميع أبنائها فرسانا!!
    كان سؤاله مباغتا، هز كيان علاء بشدة، إذ لم يخطر بباله قط التفكير بهذه الطريقة، فأطرق برأسه مفكرا حتى قطع عدنان الصمت بقوله:
    - بالطبع لا يا علاء، ألم تسمع قوله تعالى: ( فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة)؟ لو التحق الجميع بمدارس الفروسية ليتخرجوا فرسانا؛ فمن سيقوم بالأدوار الأخرى التي تحتاجها الأمة؟؟ هناك العديد من الثغرات، و لكل منا دوره الخاص الذي يسخره الله له، علينا اكتشافها بأنفسنا مستعينين بما أعطانا الله إياه من قدرات وهبات وسخر لنا من ظروف لنقوم بدورنا على الوجه الأفضل..
    بدا علاء ساهما غارقا بتفكير عميق قلب موازينه التي يعرفها، فتكلم أخيرا:
    - هل تقصد أن دور نجيب ليس في مدرسة الفروسية؟
    - لا أعني نجيب تحديدا، وإنما أقصد بشكل عام أنه ليس بالضرورة أن يلتحق الجميع بمدرسة الفروسية ليقدموا شيئا للأمة، ومن يدري فقد يكون دور نجيب خارج المدرسة أنفع للأمة من التحاقه بها!
    ثم استدرك عدنان قبل أن يقول:
    - كأننا تحدثنا عن شيء كهذا من قبل، ألا تذكر يا علاء؟
    بدت امارات الرضا على وجه علاء أخيرا وهو يستعيد من ذاكرته آثار ذلك الحوار الذي لم يكن قد وعاه جيدا آنذاك، فقال:
    - جزاك الله خيرا يا عدنان، لقد فتحت لي آفاقا جديدة وأنا مدين لك بها..
    فابتسم عدنان:
    - أرى أنه لم يعد هناك شيء تريد معرفته عن نجيب وعائلته..
    عندها تذكر علاء شيئا أثار فضوله بشدة، لكنه آثر الصمت، ولدهشته الشديدة، فوجئ بعدنان يقول له:
    - تريد السؤال عن ليلى أليس كذلك؟ إنها فتاة يتيمة وهي ابنة السيد ربيع بالرضاعة..
    فهتف علاء وهو يحملق بعدنان:
    - لقد أصبحت تقرأ أفكاري يا عدنان! يبدو أن فضولي تجاوز الحدود!!
    فابتسم عدنان:
    - لا ألومك يا علاء فمظهرها يثير الفضول فعلا حتى أنني..
    وصمت عدنان فلم يكمل عبارته، ولاحت له صورة قديمة لم تبرح ذاكرته، كيف لا وهي المرة الأولى التي يرى فيها تغير ملامح الفلاح ربيع، ذي الطبع الهادئ والوجه المتسامح، في صورة لم يعهده فيها من قبل، يومها كان يعاونه في حقله برفقة نجيب ونبيل ومعهم ليلى الصغيرة، التي شعرت بالحر الشديد وقد أخذ العرق يتصبب منها، كانت تجلس القرفصاء إلى جواره وهم يقتلعون الأعشاب الضارة، وهي تردد متذمرة:
    - يا لهذا الحَر!
    فابتسم نبيل:
    - لم يجبرك أحد على المجيء معنا!
    لكن ليلى رمقته بنظرة حادة:
    - أنا لم آت معك أنت!
    عندها شعر نبيل بأنه أغضبها فتدارك الموقف بسرعة:
    - كنت أعني أن الحر شديد عليك يا ليلى، ثم لماذا ترتدين هذا المعطف ذا الأكمام الطويلة؟ لماذا لا تخلعينه؟
    لكن الوجوم خيّم على وجهها، وهي تردد بحزن:
    - لا أستطيع!
    عندها التفت نجيب نحوها تاركا ما بيده وهو يسألها بلهفة متوجسة:
    - لماذا؟ هل هناك شيء؟؟
    لم تجب ليلى في حين ألح عليها نجيب السؤال- كمن وجد شيئا ويخاف إضاعته من جديد- إلى أن ردت أخيرا:
    - لا شيء..
    وهمت بخلع معطفها، لكنها لم تكد تفعل ذلك حتى انتبه الفلاح ربيع لها؛ فانتهرها بمشهد لم يألفوه من قبل، وهو يمسكها بقوة من يدها موبخا:
    - لقد نقضت الاتفاق!
    لكن ليلى أسرعت تدافع عن نفسها:
    - صدقني لم أقصد، كان الحر شديدا يا أبي!
    فهب نجيب مدافعا عنها- ونبيل إلى جواره:
    - أعذرنا يا عمي فنحن من اقترح عليها ذلك..
    كان عدنان يحاول وقتها تجاهل ما يجري، فعليه العودة مع أمه، لكنه لم يستطع منع فكره من الخوض فيما رآه، فقد كانت تلفت نظره قطعة القماش الملتفة حول معصمها باستمرار، إذ لا يذكر أنه رآها بدونها، أفيعقل أن تكون الأكمام عوضا عنها؟؟ ربما لم تكن ترتديها، رغم أنها لا تفارق معصمها أبدا..
    بدا عدنان شاردا في أفكاره، وكأنه نسي وجود علاء إلى جواره، وهو يسترجع تلك الأحداث، حتى أنه لم يدر كيف سأل علاء:
    - هل انتبهت إلى معصمها؟ أما زالت تلفه بقطعة القماش؟
    فوجئ علاء من سؤال عدنان، فسأله بتعجب:
    - وهل لهذا دلالة ما؟؟
    فابتسم عدنان ضاحكا بعد أن انتبه لنفسه:
    - لا تهتم لهذا يا صديقي، كان مجرد سؤال عابر!
    ولم يخطر ببال أحد أن قطعة القماش الصغيرة تلك، تخفي تحتها سرا خطيرا وعظيما، أعظم من أن يستوعبه عقل فتاة صغيرة، تعيش حياة بسيطة وسعيدة بين المزارع والحقول..
    مر الوقت سريعا، فانتبه عدنان إلى أنه لم ينته من تنظيف الخيول بعد، فنهض من مكانه وهو يردد كفارة المجلس:
    - سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك، أرجو أن لا أكون قد أثقلت عليك بكلامي يا علاء..
    فقاطعه علاء:
    - بل اعذرني أنا فقد أخذت من وقتك!
    لكن عدنان بادره مطمئنا:
    - لا تقل هذا يا علاء فقد أوشكت على الانتهاء تقريبا، وكنت بحاجة لاستراحة على أي حال..
    وأخيرا تساءل علاء:
    - ترى، ماذا يفترض مني أن أعمل الآن! هل أعاود العمل في الإسطبل من جديد؟
    فأجابه عدنان وهو يتابع عمله بتنظيف الخيول:
    - لا أعتقد ذلك فقد أخبرني المشرف عاطف أن إجازتي الطارئة قد انتهت وهذا يعني أنك أنهيت عملك في الإسطبل..
    فتساءل علاء مجددا:
    - وماذا سأفعل إذن!
    توقف عدنان مفكرا للحظة، قبل أن يقول:
    - لماذا لم تسأل المدير قبل خروجك ؟
    فتنهد علاء:
    - في الحقيقة لم اعرف كيف أتصرف وقتها..
    ثم التقط نفسا وهو يشمر عن ساعديه، قائلا:
    - على أية حال سأساعدك، لعلي أستطيع تعويض الوقت الذي تحدثنا فيه..
    فهز عدنان رأسه وهو يعصر خرقة التنظيف:
    - أوكد لك أنه لا داعي لذلك فقد أوشكت على الانتهاء، ثم إنك لم تنم ليلة أمس، فما رأيك أن تأخذ غفوة صغيرة قبل الظهر؟
    لكن علاء أصر على قوله وهو يلتقط نفسا عميقا، فاتحا ذراعيه بقوة:
    - إنني في قمة النشاط بفضل الله، ولا أشعر بالنعاس الآن، لذا تستطيع الاستراحة أنت، وسأكمل ما تبقى عنك، فانا لا أحب الجلوس متفرجا هكذا!
    فابتسم عدنان:
    - إذا كان لابد من ذلك؛ فسنعمل معا..
    وفي تلك اللحظات دخل عليهما عاطف، فابتسم وقد سر لرؤيتهما يعملان معا:
    - بارك الله فيكما يا أبنائي فقد أحسنتما صنعا، يد الله مع الجماعة ..
    ثم وجه حديثه لعلاء:
    - المدير يريدك في غرفته بعد صلاة الظهر..
    والتفت إلى عدنان:
    - وأنت يا عدنان.. تعال معه..
    ****

    ما الذي يريده المدير من علاء؟؟ وما هو القرار الذي سيصدره بحقه؟

    هذا ما سنعرفه في الحلقة القادمة إن شاء الله (:

    حتى ذلك الحين.. يسعدنا مشاركتكم رسمة (ليلى الربيع) الفائزة في مسابقة رسم مدرسة الفروسية، من ابداع
    "ريحانة قارة عبد الله" من الجزائر جزاها الله خيرا ^^



    ولا تنسونا من صالح دعائكم (:

    وصل اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

  12. #32
    سبيستوني أصيل الصورة الرمزية syury
    تاريخ التسجيل
    08 Oct 2016
    الحنس:
    أنثى
    المشاركات
    4,138
    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة alfurussiah مشاهدة المشاركة

    الحلقة الثامنة: الاختبار المضاعف!


    استعد علاء للعمل بعد صلاة الفجر، رغم أرقه الشديد ليلة أمس، ولم يكن جفاف القش وخشونته بالإضافة إلى رائحة الإسطبل شيئا يذكر إلى جانب ما يلاقيه من هم بشأن أهله الذين لا يعرف عنهم شيئا حتى الآن.. والده المجاهد في مدينة شمس وأمه وأخوه اللذان افترق عنهما أثناء العاصفة، حتى حديث السيد مروان لم يكن مطمئنا بالنسبة له، لولا استسلامه لمنظر النجوم الرائع، التي أطلت عليه من نافذة التهوية فبدت كلآلئ نثرت على مخمل أسود، ذهب إثر مراقبتها في سبات عميق. شمر عن ساعديه ووضع الحشائش أمام الخيول التي لم تعتد عليه بعد , فنفرت منه جامحة لكن شعورها بالجوع جعلها تقترب من الحشائش بحذر شديد دون أن تسمح له بالاقتراب منها أكثر ، وفي تلك الأثناء دخل عدنان حاملا صفيحة عليها خبز يابس وثمرات مع كوب لبن قدمها لعلاء قائلا:
    - اعذرني يا صديقي، هذا طعام الإفطار المقرر أثناء فترة الاختبار..
    ابتسم علاء:
    - جزاك الله خيرا ، لقد مرت علي أيام لم أذق فيها طعاما..
    فضحك عدنان:
    - رب ضارة نافعة.. سيساعدك هذا كثيرا في أيام الاختبار – بإذن الله – فمعظم المتقدمين لم يعتادوا على هذا اللون من التقشف، فكان سببا في فشلهم ورفضهم من المدرسة، لذا تجد كثيرا من أبناء العائلات الثرية يفضلون الالتحاق بمدرسة الفوز للفروسية..
    فتساءل علاء:
    - وهل توجد مدارس أخرى للفروسية؟
    فأجابه عدنان:
    - مدرسة النصر ومدرسة الفوز أكبر مدرستين للفروسية في المنطقة، ولا علم لي بوجود غيرهما..
    ثم استدرك:
    - الالتحاق بمدرسة الفوز مختلف عن هنا فهو لا يحتاج لإجراء أي اختبار، وبالمقابل ستدفع مبلغا ضخما من المال، لذا تراها مرتعا خصبا للتفاخر بين الأثرياء..
    ثم انتبه إلى الوقت الذي أدركهم ، فوجه حديثه لعلاء:
    - أرجو أن تكون قد أطعمت الخيول جيدا؛ فاليوم أمامها تدريب شاق لطلبة مرتبة همام..
    انتهت فترة التدريب، واستعد علاء لتنظيف الخيول المتعبة بعد أن قدم لها الماء والطعام، كان عليه إنزال السروج أولا، والذي لم يكن بالأمر السهل بالنسبة له، حاول الاقتراب منها مرارا لكنه لم يفلح فقد كان يشعر برهبة لم يألفها في نفسه من قبل، هذا رغم أنه اتجه مباشرة نحو ورد، حتى كاد اليأس أن يجد سبيلا إلى قلبه، لكن تصميمه على النجاح دفعه للتفكير بشتى الوسائل وهو يستذكر كلام عدنان حول شعور الأحصنة بمن حولها ومعرفتها لمقدار صدق عاطفته معها وهو يربط ما سمعه من عدنان بما يراه ويلاحظه، فلاطفها وكلمها كما فعل عدنان – وهو يشك بأنها تفهمه – ثم أخذ يقرب لها الأعشاب حتى استطاع إطعامها بيده، وشيئا فشيئا بدأت تعتاد عليه، وتسمح له بالاقتراب منها، فأخذ يربت عليها وعيناه مثبتتان على أذنيها بناء على نصيحة عدنان، خشية أن يكون قد لامس الجزء الحساس من أجسادها، فما لبث أن أنزل السروج عنها بهدوء وشرع بتنظيفها برفق حتى انتهى منها جميعا بما فيهم حالك.. ذلك الحصان الحساس الذي اتخذ منه موقفا عدائيا في لقائهما الأول دون سابق إنذار!
    تنفس علاء بارتياح، وهو يتمطى مادا ذراعيه ويحدث نفسه:
    - يا لهذه الخيول المدللة، يبدو أن رعاية بهاء أسهل منها..
    ولم يكد يمر الخاطر في رأسه حتى انتبه لصوت أقدام حالك تضرب بالأرض، فاعتدل علاء في وقفته سريعا، كمن خشي أن يخسر علاقته مع صديق جاهد لإصلاح ما أفسده معه، وهو يقول معتذرا:
    - كنت امزح فقط!
    ثم أطلق ابتسامة خفيفة على فعلته:
    - صدق عدنان!! سرعان ما اعتدت على ذلك!!
    مر أسبوع كامل وعلاء منهمك في أعمال الإسطبل، بات يحدث فيها نفسه عن المدة التي سيقضيها في هذا المكان، حتى دخل عليه عاطف حاملا مجموعة من الكتب قدمها لعلاء قائلا بعد أن حياه:
    - هذه كتب المستويين الخامس والسادس من التعليم النظامي في المنطقة، حاول الاطلاع عليها ودراستها فستقدم بها امتحانا شاملا بعد يومين، هذا إلى جانب عملك في الإسطبل، لذا حاول الموازنة بينهما..
    كانت هذه هي المرة الأولى التي يشعر فيها علاء بغيظ شديد منذ وصوله المدرسة، فالامتحان بعد يومين فقط ومع ذلك يطلب منه الموازنة بين الدراسة والعمل!! لكنه حاول ضبط أعصابه وتهدئة نفسه:
    - لا شك أن هذا جزء من الاختبار وعلي تجاوزه بنجاح بإذن الله، ثم أنني أنهيت دراسة المستوى الخامس تقريبا في مدينتي، فلم تنشب الحرب إلا على أبواب الامتحانات النهائية.. ولكن، ماذا عن المستوى السادس!!
    وقفزت صورة أولئك الفتيان الذين قابلهم في الإسطبل إلى ذهنه، وعبارة رنانة أخذت تدوي في أذنه " بانتظار أن نراك بيننا قريبا"، فشد من عزيمته مشجعا نفسه:
    -لا بأس سأحاول التركيز على الدروس الأولى فلم يمر على الدراسة هنا أكثر من شهر ونصف..
    لم يجد علاء أدنى فرصة للإطلاع على الكتب إلا بعد العشاء، فقد أخذ منه العمل في الإسطبل جهدا كبيرا، لا سيما وأن السيد رافع طلب منه القيام بنقل مخزون الحبوب والحشائش إلى مخزن آخر! ورغم تعبه الشديد ورغبته الملحة بالنوم، إلا أنه قاوم ذلك كله وهو يطالع الكتب على ضوء السراج، كانت سبعة كتب من المستوى الخامس، وعشرة أخرى للمستوى السادس. فتح كتب الحساب وعلم الحياة والطبيعة من المستوى الخامس، وابتسم مطمئنا وهو يقلب الصفحات ويراجع المعلومات، محدثا نفسه:
    - الحمد لله، ما زلت أذكر ذلك جيدا، فجزاكم الله خيرا يا معلميّ الأعزاء، ثم بحث بفضول عن كتاب الحوادث والأيام متلهفا لمعرفة مواضيعه، وهو يذكر كلام حذيفة وسالم..
    فتح الكتاب يتأمل مواضيعه حتى وقعت عيناه على فصل سقوط الخلافة، فقرأ منقلا عينيه بين السطور بسرعة: "استطاع سهم الدين أخيرا بفضل حنكته وذكائه إنقاذ منطقة الجبال بأسرها من دمار محقق بعد أن زادت أطماع المناطق المجاورة في خيرات البلاد، وإعلان الخليفة عبد السلام أوروج تخليه عن مسؤوليته في التصدي لأطماع الممالك القوية، فكان لا بد من إعلان الانفصال عنها... وعندما استلم الحاكم نجم الدين حكم البلاد أثبت جدارته بين حكام جميع المناطق وقد شهد له بدماثة الخلق والحنكة والحكمة وحسن التصرف والشجاعة والقوة في الحق ونصرة أهله بلا هوادة مع الرحمة والتواضع ولين الجانب مما أكسبه محبة الشعب له بجدارة..." شعر علاء بالملل من كلام التبجيل نفسه الذي تلبسه كل منطقة لحاكمها، وتنهد:
    - ما دمنا نمتلك هذا الصنف من الحكام العظام فلماذا لم نكن في مقدمة العالم!!
    وأخيرا وقعت عيناه على كتاب عنوانه ( سير أخبار الفرسان) وقد كتب تحته بخط واضح "خاص بمدرسة النصر للفروسية - المستوى السادس"، وعندما فتحه وجد نفسه فيه كالضائع في بحر لا يعلم منتهاه..
    مضى معظم الليل وعلاء منشغل بكتبه يبحث ويراجع ويستذكر وقد شعر بطمأنينة لا بأس بها وهو يجد نفسه متمكناً إلى حد ما من كتب المستوى الخامس، فلم تكن الدروس تختلف كثيرا عما درسه في منطقته، والتي كان متفوقا فيها، وهذا من فضل الله عليه، لكن بعض القلق ما زال يساوره لما حوت كتب المستوى السادس، لا سيما وأن المشرف عاطف أخبره بأن طلاب المستوى السادس قد انهوا دراسة ثلاثة فصول على الأقل من كل كتاب تقريبا، فهل سيكفيه يوم واحد يتخلله العمل في الإسطبل لتدارك ذلك كله!!

    فاصل

    ترى.. لو كنتم مكان علاء كيف ستتصرفون؟ وكيف ستنظمون وقتكم في الدراسة في حالته تلك؟



    عدنا

    استيقظ علاء على يد حانية ربتت على كتفه، وقد بدأ نور الفجر يسفر عن الصباح بوضوح:
    - ستشرق الشمس بعد قليل، انهض يا علاء..
    وبعد أن أدى علاء صلاة الفجر على عجل، وهو يشعر بألم لا حد له لفواتها عليه في الجامع جماعة، قال له عاطف مؤنبا:
    - كان عليك أن توازن أكثر بين الأمور، فلولا لطف الله بنا لحلت كارثة في الإسطبل، إياك أن تنسى السراج مشتعلا مرة أخرى..
    أطرق علاء خجلا من فعلته:
    - أرجو المعذرة فقد كنت أحاول مراجعة الدروس بسرعة فلا وقت لدي حتى غلبني النعاس، أعدك أنني لن أكرر ذلك ثانية، وسأبذل جهدي لأكون أكثر انتباها إن شاء الله..
    بدا علاء مرهقا جدا ذلك الصباح، خاصة وأنه لم يأخذ قسطا كافيا من الراحة، بالإضافة إلى ذهنه المشغول بأمر الامتحان غدا، عندما تناهى إلى سمعه صوت عدنان مقبلا عليه، فتهلل وجهه فرحا:
    - الحمد لله على عودتك يا صديقي، كم أنا سعيد برؤيتك..
    فابتسم عدنان وهو يصافحه:
    - لكنني لم أغب عنك أكثر من أسبوع، وأرجو أن لا يزعجك معرفة سبب عودتي في هذا الوقت بالذات..
    بدا القلق واضحا في عيني علاء فلم يعد يحتمل سماع مهمات جديدة إضافية، لكن عدنان تابع وهو يتجه صوب مخزن السروج:
    - اليوم هو درس الركوب الأول لمرتبة المبتدئين، وعلينا إسراج الخيول وإعدادها لهم بشكل خاص..
    اتجه عدنان صوب غرفة المعدات في الإسطبل حيث علقت السروج والألجمة والشكائم على الكلاليب، وتناول المعدات اللازمة لتهيئة جواد واحد، وهو يخاطب علاء:
    - راقبني جيدا، فعليك القيام بذلك وحدك مع بقية الجياد، إذ أنني سأضطر للذهاب في مهمة أخرى طلبها مني السيد رافع..
    لم يخف على عدنان ملاحظة تبرم علاء الشديد بتلك المهمة، فحاول إثارة اهتمامه بقوله:
    - إن خطأ واحدا في هذه العملية قد يؤدي إلى سقوط قاتل، لا سيما وأن الطلبة من المبتدئين، عندها شعر علاء بعظم المسؤولية الملقاة على كاهله، فهتف منفعلا:
    - وكيف تحملونني مسؤولية القيام بذلك وحدي يا عدنان، هذا خطر جدا، فأنا لم ألجم حصانا من قبل!!
    فابتسم عدنان مهدئا، وهو يقلب بصره بين الرؤوس النظيفة لجياد تنظر من خلال أبواب زريبتها:
    - لا عليك يا صديقي ستتقن عملك بإذن الله، نحن نثق بك، انظر إلى هذه الجياد اللامعة، لا أبالغ إن قلت لك بأنني لم أتقن ما أتقنته أنت إلا بعد ضعف المدة التي قضيتها هنا يا علاء..
    ثم اتجه نحو (الأبرش) الحصان الأول في الصف والمعدات في يده قائلا:
    - سنركز السرج أولا ومن ثم اللجام، ولن ننسى التأكد من سلامة الحوافر والحدوات، وشرع بأداء عمله بهمة ونشاط وعلاء يراقبه بدقة متناهية..
    استلقى علاء بعد صلاة العشاء على كومة القش منهك القوى، وقد استنفد جهده كله بعد يوم شاق. غدا موعد الامتحان، لكنه لن يغامر بترك السراج مشتعلا، ولن يفرط بصلاة الفجر جماعة مرة أخرى، فهذا هو الأهم بالنسبة له، لا سيما وأنه في أمس الحاجة لأن يكون في ذمة الله ورعايته، ثم إن عقله مرهق الان ولن يكون قادرا على استيعاب ما سيقرؤه على أية حال، لم يسترسل علاء بأفكاره كثيرا فلم يكد ينهي قراءة أذكار النوم حتى غط في نوم عميق..
    كانت نسائم السحر الباردة تلفح وجه المشرف عاطف وهو يحث الخطى نحو الإسطبل بعد أن جذبه ضوء السراج المنبعث منه وهو يحدث نفسه:
    - أرجو أن لا يكون قد فعلها مرة أخرى..
    لكن سرعان ما فارقه قلقه وهو يرى علاء بكامل قوته ونشاطه منكبا على كتبه يدرسها باهتمام، ألقى عليه التحية، ثم سأله:
    - ألم تنم يا بني؟؟
    فابتسم علاء وهو يشعر براحة كبيرة:
    - بل شبعت نوما، وها أنا كما ترى بفضل الله في قمة النشاط والحيوية..
    وصمت قليلا قبل أن يتابع:
    - لن ألدغ من الجحر نفسه مرتين، وقد بورك للأمة في بكورها..
    تهلل وجه عاطف فرحا وهو يبتسم قائلا:
    - بارك الله فيك يا بني، لن آخذ من وقتك أكثر، فلم يبق إلا القليل على أذان الفجر..
    كان يوما مختلفا في حياة علاء منذ قدومه إلى مدينة رياح، فرغم أنه قام بواجبه المعتاد في الإسطبل من بعد صلاة الفجر، فلم يكن هناك استثناء من أجل امتحانه، إلا أنه شعر بدنو لحظة الصفر بعد صلاة العصر، و التي سيحسم فيها أمره، ولن يرضى بأقل من النجاح، صحيح أن كل ما مر به كانت أجزاء متتابعة من امتحان متكامل، لكن امتحان الورق بنظره كان مختلفا، فهذا هو عهده بالامتحانات. مشى عدنان إلى جانب علاء يشد من أزره بعد عودته من صلاة العصر قائلا:
    - لقد اثبت جدارتك منذ قدومك يا صديقي، فثق بالله فهو لن يضيعك..
    أطرق علاء قليلا قبل أن يقول:
    - لم أفقد ثقتي بالله يا عدنان، ولكنني أخشى أن أكون قد قصرت فلا أستحق التوفيق..
    فقاطعه عدنان:
    - لا تقل هذا يا علاء، لم يكن بإمكانك فعل أكثر مما فعلته..
    عندها تنهد علاء:
    - لا أعرف ماذا أقول يا عدنان ولكنني لم أعتد على دخول امتحان في كتاب لم أدرسه، ولشد ما أخشى أن تكون هناك أسئلة في القصائد الطويلة من المستوى السادس..
    ربت عدنان على كتفه مشجعا:
    - اطمئن يا صديقي فأنا واثق من أنك ستجتاز الامتحان بنجاح..
    وبرقت عيناه بنظرة غريبة وهو يتابع:
    - لا تقلق، سأبذل جهدي من أجلك، أعدك بذلك..
    لم يدر علاء ما نوعية هذا الجهد الذي سيبذله عدنان من أجله، لكنه شكره على وقوفه لجانبه، إذ كانت المرة الأولى التي يشعر بها بمثل هذا الكم الهائل من التوتر وهو يستعد لدخول مخزن الحبوب القديم الذي أعد خصيصا ليقدم امتحانه فيه. حاول أن يهدئ روعه لا سيما وأن استعداده للامتحان لم يكن كافيا، قاوم شعوره بالاختناق من جو الغرفة التي كانت أشبه ما تكون بصندوق تعذيب عوضا عن غرفة لتقديم امتحان بأقل كفاءة من التركيز، جلس فوق القش منحنيا على رزمة ضخمة من الأوراق حوت الأسئلة، عليه إجابتها في مدة زمنية تبدأ من بعد صلاة العصر وحتى أذان المغرب، تلا آيات من القرآن متوكلا على الله فقد بذل أقصى ما بوسعه، ثم بدأ بقراءة الأسئلة بهدوء وروية، ورويدا رويدا أخذ يشعر بنشوة كبيرة وقد انتهى من عشر صفحات حوت أسئلة متنوعة لم يجد صعوبة في إجابتها، فقد كانت في معظمها مراجعة لما أخذه في المرحلة الخامسة، حتى المسائل الحسابية استطاع حل معظمها في فترة قياسية، وحين بدأ بقراءة أسئلة الورقة الحادية عشرة فوجئ بأنها كانت عن أنواع السروج والشكائم والألجمة وطرق تركيبها. بذل جهدا كبيرا يراجع كل ما حدثه به عدنان ليعيد صياغته بأسلوبه مستعينا برسم بعض الأشكال التوضيحية حتى تمكن من إجابة معظم الأسئلة، ليكتشف أن الوقت بدأ يداهمه، وما تزال أمامه ورقات لم يطلع عليها بعد، فبدأ التوتر يجد طريقه إلى نفسه من جديد. التقط نفسا عميقا وقد أنهكه التعب فنهض قليلا يحاول تغيير وضعيته ليجدد نشاطه بعد أن أنهى سبع عشرة ورقة ولم يبق أمامه الكثير. ولدهشته الشديدة لم يجد سوى ملاحظة بخط كبير في الورقة الثامنة عشرة: " لتجتاز الامتحان بنجاح عليك الحصول على سبعين جزءا من أصل مئة، علما بأن مجموع الأجزاء على الورقات السابقة لا تتعدى الأربعين جزءا فقط، أما الستون الباقية فهي موزعة على الأسئلة اللاحقة"، شعر علاء بارتباك شديد من هذا الاكتشاف المتأخر، فإجاباته السابقة لن تمنحه الأجزاء المطلوبة للنجاح هذا على افتراض أنه أجابها جميعا بشكل صحيح، لذا حاول أن يسرع في إجابة الصفحتين الأخيرتين فلم يبق إلا القليل ويرتفع الأذان. أطلق علاء شهقة مكتومة وهو يقرأ المطلوب في الصفحة الأخيرة فلم يملك أن ضرب بقبضته على الأرض وهو يشعر بغيظ شديد، فقد كانت معظم الأجزاء على ذلك السؤال، وقد أخذ منه التعب كل مأخذ:
    - من أين لي أن أستذكر تلك القصيدة الطويلة التي لم يسمح لي الوقت بقراءتها عوضا عن حفظها! ساعدني يا رب..
    وخيل إليه أن غبار القش المتناثر حوله غدا جبالا من الهموم حطت على رأسه، فأخذ يسعل بشدة، وفي تلك الأثناء سمع صوت عدنان وهو يفتح الباب بعد أن تحدث إلى المشرف عاطف الجالس في الخارج، دخل عدنان وبيده كوب ماء رافعا صوته:
    - اشرب يا علاء..
    ثم دس في يده ورقة مطوية هامسا:
    - لقد كتبت لك القصائد كلها يا علاء، لم يبق الكثير من الوقت..

    *******


    ما الذي سيفعله علاء في هذه الحالة؟
    وهل سيكون هذا هو اختباره الأخير؟؟

    هذا ما سنعرفه في الحلقة القادمة إن شاء الله، فتابعونا ^^

    وصل اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
    مرحبًا ^^
    بصرآحة ذكرتني بأيآمي بالامتحآنآت حينمآ لم أستطع إنهآء
    كل دروسي صعبة
    .. أحسست أني مكآنه وأني في اختبآر >3<


    أحبكم جميعًا

    .
    .
    .






  13. #33
    سبيستوني بطل الصورة الرمزية artimis
    تاريخ التسجيل
    08 Jan 2017
    الحنس:
    أنثى
    المشاركات
    22,288
    السلام عليكم مغامرة جميلة خاضها علاء ف مزرعة ^^

    بإنتظار باقي و رسمة جميلة حقا كما تخيلتها ف أعماقي ♥


    ( ليانا المحاربة الشرسة. آيريس المحاربة الأسطورية. كآثرين أسطورة غامضة ) ♡

    يمنع إستخدام أي من أسماءي ف المنتدى و شكرآ ♥



  14. #34
    سبيستوني أصيل الصورة الرمزية syury
    تاريخ التسجيل
    08 Oct 2016
    الحنس:
    أنثى
    المشاركات
    4,138
    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة alfurussiah مشاهدة المشاركة

    الحلقة التاسعة: جدار الأخبار

    خرج عدنان بسرعة- بعد أن أعطى علاء الورقة- وكأن شيئا لم يكن؛ تاركا علاء في ذهول كبير. كانت هذه أكبر صدمة يتلقاها علاء حتى تلك اللحظة، ما الذي فعله عدنان! أليس هذا غشا!! أيعقل أن أغش!!! وبدأت نفسه تنازعه:
    - لا وقت للتفكير الآن فسيرتفع أذان المغرب بعد لحظات، ما عليك يا علاء فلعل الله استجاب دعاؤك وبعث لك من يساعدك، هيا انقلها بسرعة ولا تتردد. أنت مضطر وللضرورة أحكام، وأخذت صور مدينته، أمه وأخوه الصغير تتراءى أمامه، لا بد من إنقاذهم، لذا عليه أن ينجح في الامتحان بأي ثمن ليصبح فارسا يعيد الأمور إلى نصابها، وأخيرا هم بفتح الورقة، لكنه توقف فجأة وقد قفزت صورة والده أمام عينيه:
    - الغش هو الغش ومن غشنا فليس منا، فلا تنخدع بكلام الأولاد يا بني..
    - ولكن يا أبي، سمير مختلف عنهم صدقني، لقد كانت أمه مريضة وقد سهر إلى جوارها طوال الليل ولم يتمكن من الدراسة، ثم إن مرضها سيشتد إن علمت أنه لم ينجح في الاختبار فهي تعلق عليه آمالا كثيرة..
    - ولماذا لا يخبر الأستاذ بذلك وهو بلا شك سيتفهم الأمر..
    - أنت لا تعرف المعلم فواز يا أبي، إنه عصبي جدا ولا يتقبل أي عذر مهما كان!
    ورغم انفعال علاء الشديد وهو يوضح لوالده موقف سمير إلا أن والده قال بحزم:
    - كل هذا لا يبرر الغش يا بني، فالغاية لا تبرر الوسيلة، فإذا كانت غاية صديقك سامية وهمه إرضاء أمه مع الحفاظ على صحتها فهذا مما يرضاه الله، ولن يضيعه الله وسيعوضه خيرا بلا شك، وثق تماما أنه لن يصل أبدا إلى رضا الله عن طريق لا يرضاه الله، أليس كذلك يا علاء؟
    انتبه علاء من ذكرياته ليجد نفسه ممسكا بالورقة التي أعطاها له عدنان، فما كان منه إلا أن ضغطها محاولا سحقها بقبضة يده، وقد عزم على أن لا يسلك طريق الغش مهما كان الثمن، وقبل أن يرتفع أذان المغرب طوى علاء رزمة أوراق الامتحان ونهض من مكانه متجها خارج الغرفة، حيث جلس المشرف عاطف في الهواء الطلق بانتظاره، والذي ابتسم قائلا:
    - لم أتوقع خروجك قبل الأذان، أم أن جو الغرفة لم يعجبك؟
    حاول علاء الابتسام جاهدا وهو يرد ببرود:
    - ربما!
    فقال عاطف:
    - لقد انتهى عملك هذا اليوم، فحاول أن تنام باكرا لتأخذ قسطا كافيا من الراحة، فغدا من بعد صلاة الفجر لديك مهمة جديدة من نوع مختلف..
    حاول علاء أن يعي ما قاله المشرف عاطف رغم فكره المشغول بعدنان:
    - ما الذي دفعه لمثل هذا التصرف، لقد خيب ظني!
    أما عدنان فقد كان في شوق لرؤية علاء والاطمئنان عليه، فما أن لمحه خارجا حتى هرع إليه:
    - كيف كان امتحانك يا علاء طمئني أرجوك..
    وبدلا من أن يسمع إجابة مطمئنة، فوجئ بتجهم علاء الشديد مع نظرات ثاقبة لا تبعث على الارتياح، وقبل أن يهم بقول شيء، ارتفع أذان المغرب فقال علاء:
    - دعنا نصلي أولا..
    أخرج علاء الورقة من جيبه في صمت وهو يفكر بالطريقة التي يواجه بها صديقه الوحيد في هذا المكان، حتى قال أخيرا وهو يقدمها له:
    - ما هذا يا عدنان!!!! لقد صدمتني بقوة، سامحك الله..
    بدا التوتر واضحا على وجه عدنان:
    - ما الذي تعنيه يا علاء!! لقد حاولت مساعدتك وحسب!
    وأطرق برأسه وهو يتابع:
    - لقد كان سعالك فرصة مواتية لأحضر كوب ماء لك، فقد كنت قلقا عليك يا صديقي وخفت أن لا تجتاز الامتحان، وهذا أقل ما استطيع تقديمه لك، ألسنا أصدقاء!!
    لكن علاء قاطعه بنبرة جادة:
    - ولكن هذا لا يبرر الغش يا عدنان،ثم إنهم منحوك ثقتهم فكيف تغدر بهم!!
    قفزت نظرات قلقة الى عيني عدنان وهو يقول متوسلا:
    - هل هذا يعني أنك ستخبرهم بما حدث!! أرجوك لا تفعل هذا يا علاء فسيطردونني حتما..
    فرد علاء:
    - أنا لم أقل ذلك، ولكن عدني أن تتوب من فعلتك هذه ولا تكررها أبدا..
    أطرق عدنان برأسه ندما قبل أن يمد يده مصافحا علاء:
    - هذا وعد..
    فابتسم علاء وهو يشد على يده:
    - أقدر موقفك يا صديقي ولكن رضا الله هو الأهم، لقد بذلت جهدي وسأرضى بما كتبه الله لي وإن لم التحق بالمستوى الذي أرغبه، بل وحتى إن لم أقبل أصلاً..

    ***

    كان علاء على أهبة الاستعداد لمهمته الجديدة بعد صلاة الفجر، عندما جاءه عاطف وبيده عصا قوية طويلة مع حقيبة قماش حوت طعاما وماء، ناولها لعلاء قائلا:
    - اسمعني يا علاء، لقد قاربت الحشائش على الانتهاء فعليك أن تحضر المزيد منها من حقل الربيع، عند طرف المدينة الشمالي وإياك أن تحضر الحشائش من مكان آخر، فالحشائش السامة منتشرة بكثرة، المكان بعيد عن هنا، ولكن عليك أن تعود بسرعة فلا تضيع الوقت بالطريق، تذكر أن عليك أن تسلك طريق الغابة في الذهاب، وهو على يدك اليمنى من الطريق الطويل، أما في العودة فاسلك طريق الوادي، هل هذا واضح؟
    أومأ علاء برأسه إيجابا وهو يردد:
    - لقد فهمت
    فكرر المشرف عاطف كلامه:
    - حاول أن تجتاز الغابة قبل الغروب فهي خطرة، تذكر ذلك جيدا، فانتبه لنفسك في الطريق، واستخدم العصا عند الضرورة..
    ثم شد على يده:
    - وفقك الله يا بني
    وشد عدنان على يدي علاء:
    - رافقتك السلامة يا صديقي..
    ثم ابتسم مازحا:
    - لا تشغل بالك بشان الخيول، فسأعتني بها جيدا أثناء غيابك..
    فابتسم علاء:
    - لا تنس أنها أصبحت من أعز أصدقائي أيضا..
    ثم انطلق يجر عربة خشبية خلفه أعدت خصيصا لهذا الغرض، ولم يكن ذلك بالعمل الهين، فالأرض وعرة والعربة رغم خلوها لم تكن سهلة الانقياد..
    فحدث علاء نفسه:
    - إن كان هذا حالها وهي فارغة فكيف بها وقد امتلأت حتى آخرها!!
    لكنه سرعان ما طرد هذه الأفكار ليستمتع بجمال الطبيعة من حوله، وبدأ يسلي نفسه بإنشاد الأشعار الجميلة التي حفظها عن والده:
    نحن أبطال أسود لا نبــالي بالقيـود
    ورسول الله فينـا أسوة في ذا الوجود
    أمة الشرك دمـار فمحــال أن تسود
    أبدا لا لن تسـود أبـدا لا لن تســود
    لم يكن علاء قد توقف ولو للحظة واحدة، وهو يقود عربته في طريق آخذ بالصعود التدريجي، عندما سمع صوت أذان الظهر، فخمن أنه مسجد قريب خلف المرتفع، فضاعف جهده حتى وصل القمة، ليشرف على أشبه ما يكون بسوق صغير يعج بالحيوية والنشاط، لكن أكثر ما لفت نظره هو جدار الأخبار الذي توسط المكان. خفق قلبه بشدة فمنذ فترة لم يسمع أي أخبار عن منطقته، فأسرع يحث الخطى وهو ينزل المرتفع حتى كادت قدمه أن تنزلق مع اندفاع العربة. شعر بقوة تجذبه نحو ذلك الجدار لم يستطع مقاومتها لولا ارتفاع صوت إقامة الصلاة في المسجد، فغير مساره نحوه. أحكم علاء ربط عربته إلى عمود جوار المسجد من الخارج يُستخدم مربطا للأشياء، ثم دلف إلى المسجد يحاول تخلية ذهنه مما يشغله:
    - ترى ما هي الأخبار؟؟
    كانت هتافات الباعة تعلو لترويج بضائعهم بعد الصلاة، فمن بائعات الحليب والبيض إلى باعة الدقيق والخبز، والزيت والعسل، بالإضافة إلى بائع الخضار الذي لم يترك صنفا إلا نظم له قصيدة مدح عصماء! هذا عوضا عن دكاكين الأواني وصناعة الفخار، ومحال اللحوم والجلود وأعلاف الماشية وغيرها، أما راعي الأخبار فقد جلس خلف طاولة متوسطة الحجم قرب الجدار يهتف بأعلى صوته:
    - أخبار العالم بين يديك، البيان الأخير للحاكم نجم الدين، آخر التطورات المذهلة في عالم الثلاثية، ترقبوا أخبار الفرق المنافسة على وسام الأرض القادم، لقاء خاص مع لاكومار بان، آخر حفلات الموسيقار الشهير ساكورغان..
    ورغم حرص علاء الشديد على إنجاز مهمته إلا أنه لم يجد بأسا من التحدث مع راعي الأخبار بعد أن تصفح العناوين الرئيسة في الجدار ولم يجد فيها بغيته، فاقترب منه مسلما:
    - ألا توجد أخبار عن منطقة المروج الخضراء يا عم؟
    نظر إليه الرجل متفحصا كمن باغته السؤال، لكنه قال:
    - لم تصلنا أية أخبار عنها من مركز المدينة منذ أكثر من أسبوعين، فإذا أردت أخبارا من هذا النوع فاذهب إلى هناك..
    بدت خيبة الأمل في نظرات علاء لكنه هتف فجأة:
    - عفوا يا عمي قلت أنه لم تصلكم أخبار منذ أسبوعين، فهل لديك أخبار قبل ذلك الوقت؟
    أطرق الرجل مهمهما:
    - دعني أرى..
    وبدأ يبحث في أدراج الجزء السفلي من طاولته العجيبة. وفي تلك الأثناء أقبل مجموعة من الأولاد في مثل سن علاء تقريبا، وبعد أن القوا نظرة خاطفة على زاوية محددة في جدار الأخبار؛ أسرعوا نحو راعي الأخبار- المنحني خلف الطاولة- يتهاتفون:
    - عم جاد.. عم جاد، نريد النسخة المفصلة الجديدة للثلاثية..
    رفع جاد رأسه قائلا:
    - لا تقلقوا، لقد طلبنا كمية مضاعفة هذه المرة وسيحصل كل واحد منكم على نسخته..
    مرت لحظات انتظار عصيبة على علاء وهو يراقب انشغال راعي الأخبار مع الأولاد على أحر من الجمر، فلا وقت يضيعه حتى حزم أمره لافتا نظر العم جاد إليه قائلا بأدب:
    - عفوا يا عم، لم تقل إذا ما وجدت نسخا من أخبار منطقة المروج الخضراء، حتى وإن كانت قديمة؟
    فرد عليه جاد وهو يسلم النسخ للأولاد دون أن ينظر إليه:
    - انتظر قليلا يا بني ريثما أنتهي!
    شعر علاء بغيظ شديد فهو من جاء أولا لكنه آثر الصمت، حتى مرت اللحظات العصيبة وكأنها سنوات، انتهى فيها جاد من توزيع النسخ للأولاد، ثم تابع البحث في أدراجه قبل أن يرفع رأسه أخيرا وهو يحمل بيده نسخة صفراء باهتة قدمها لعلاء قائلا:
    - هذه آخر ما لدينا من أخبار هنا، إنها قبل ثلاثة أسابيع تقريبا..
    بدت علامات الرضا على وجه علاء بوضوح وهو يمد يده لتناول النسخة قائلا:
    - لا بأس، جزاك الله خيرا يا عم..
    لكنه فوجئ بيد الرجل تبعد النسخة من أمامه وهو يقول:
    - الحساب أولا، خمس قطع نقدية!
    لم يدر علاء كيف غاب عن ذهنه هذا الأمر، وضع يده في جيبه في محاولة يائسة للعثور على ما يحفظ به ماء وجهه بعد أن أرهق العم جاد معه، ولكن لا شئ!! لم يعرف علاء في تلك اللحظة ما الذي آلمه أكثر، عدم تمكنه من الاطلاع على أخبار منطقته بعد طول انتظار، أم الموقف الحرج الذي وجد نفسه فيه، ورغم تذمر جاد منه في البداية، إلا أنه شعر برقة نحوه، فقال أخيرا:
    - حسنا يا بني، تبدو غريبا عن المكان، لذا سأسمح لك بالإطلاع على النسخة هنا.
    تهلل وجه علاء فرحا وتألقت عيناه بنظرات امتنان لا حد لها:
    - جزاك الله خيرا يا عمي لن أنسى معروفك هذا أبدا..
    وأسرع يقلب بصره في النسخة : "هجمات القائد نور الدين وأتباعه تتوالى... إصابات بليغة في جيش رامان، وتراجع واضح في صفوفهم..." شعر علاء بارتياح شديد مع الفخر والاعتزاز بوالده، مما أعطاه دفعة حماس إضافية، وبعد أن شكر العم جاد مرة أخرى، أسرع في السير يجر عربته، وهو يحاول تعويض ما فاته دون أن يلاحظ ذلك الرجل الذي توقف بعربته أمام جدار الأخبار. نهض جاد من مكانه مستقبلا الرجل الذي نزل من العربة مرحبا:
    - أهلا ومرحبا بك يا سيد بلال، إنه لتواضع منك أن تحضر النسخ الجديدة بنفسك يا سيدي..
    فابتسم بلال وهو يضع كومة من النسخ المرصوصة فوق بعضها بدقة بالغة، على الطاولة أمامه:
    - لا داعي لكل هذه المجاملات يا جاد، فقد توعك شادي ولم يستطع إحضارها وقد كنت مارا من هنا في جميع الأحوال، ثم إن الأخبار عاجلة ولا تحتمل التأجيل..
    و أخرج من القسم الخلفي للعربة قطعة جلدية كبيرة من النوع الذي يعلق على جدر الأخبار حاملا العناوين الرئيسة الهامة..
    لم تكد عينا جاد تقعان على الخبر الذي كتب بخط عريض، حتى هتف:
    - غير معقول! لقد مر قبل قليل فتى يسأل عن أخبار المروج الخضراء، سيهمه الخبر كثيرا بلا شك..
    أبدى بلال اهتمامه بما سمعه، فسأله:
    - وهل هو غريب عن هنا؟
    أومأ جاد برأسه قائلا:
    - أجل يا سيدي، إنه يذكرني بابنك أصيل وصديقه حسان فهما الوحيدان بين أقرانهما اللذان يبديان اهتمامهما بهذا النوع من الأخبار.
    ثم استدرك قائلا:
    - أظن ذلك الفتى من مدرسة النصر أيضا، فكأنني لمحت شعارها على العربة التي معه..


    فاصل

    في عالم مدرسة الفروسية الخيالي؛ لا توجد تلفزيونات ليتابع عليها الناس النشرات الاخبارية، كما نفعل نحن؛ ولكن هناك طرق أخرى منها: "جدار الأخبار"
    وهو جدار كبير، يتم تعليق عناوين الأخبار الهامة عليه، ليقرأها الناس، ويكون عندها عامل مسؤول عنها يسمونه بـ
    "راعي الأخبار"، ومن يرغب بمعرفة تفاصيل الاخبار فعليه أن يدفع ثمن النسخة المفصلة، وهي تقابل الجرائد والصحف في عالمنا الحقيقي تقريبا، ..

    عدنا


    لم يكن علاء قد ابتعد كثيرا عندما انتبه لدخول وقت صلاة العصر فأداها منفردا لعدم وجود مسجد في طريقه، وقد بدأت تخلو من آثار البنيان، وتابع الجري بالعربة يحاول تعويض ما فاته من الوقت دون أن يتناول سوى لقيمات قليلة تسد رمقه، حتى وجد نفسه أخيرا أمام مفترق الطريق وقد قاربت الشمس على المغيب، وعليه أن يسلك الجهة اليمنى نحو الغابة، وفي تلك اللحظة أقبل شاب نحيل يبدو عليه الإرهاق بعد يوم كامل من العمل..
    فألقى عليه التحية:
    - إلى أين أنت ذاهب يا فتى بهذه العربة؟ إنها المرة الأولى التي أراك فيها وأظنك غريب عن المنطقة، فهل ترغب بالمساعدة؟
    فابتسم علاء شاكرا:
    - جزاك الله خيرا، إنني في طريقي إلى حقل الربيع..
    فقال الشاب بدهشة:
    - لكن الظلام سيحل بعد قليل، وحقل الربيع بعيد جدا من هنا!
    فرد علاء بثقة:
    - هذا لا يهم فأنا مضطر لإحضار الأعشاب من هناك..
    لم يخف الشاب استنكاره وهو يقول:
    - أتذهب كل هذه المسافة من أجل أعشاب ؟ الأعشاب والحشائش متوفرة بكثرة بالقرب من هذا المكان!
    فرد علاء باقتضاب:
    - ولكن من واجبي إحضارها من حقل الربيع!
    تغيرت ملامح وجه الشاب متسائلا :
    - وهل أنت تعمل عند رجل قاس عنيد إلى هذا الحد أيها الصغير؟
    هز علاء رأسه نفيا وهو يجب:
    - كلا ، ولكنني أود الالتحاق بمدرسة النصر و.....
    فقاطعه الشاب بنبرة غريبة:
    - آه.. مدرسة النصر واختباراتها ! ولماذا تود الالتحاق بها، إنها مدرسة سيئة جدا تكلف الطلاب ما لا يطيقونه من أجل مصلحة القائمين عليها!!
    تغير وجه علاء فقال غاضبا:
    - إنهم جميعا طيبون وهدفهم نبيل، بالإضافة لكونهم لا يأخذون مالا مقابل ما يقدمونه لنا..
    فضحك الشاب ساخرا:
    - يا لك من ساذج مغفل.. إنني لا ألومك على أية حال فقد حبكوا خطة محكمة لإخفاء حقيقة نواياهم، واستطاعوا لسوء الحظ خداع الكثيرين..
    وأشار إلى صدره وهو يتابع بغرور عجيب:
    - لكنني أنا عماد لا تنطلي عليّ حيلهم القذرة ..
    ثم قال بصرامة يحاول تغيير نبرته، وهو يرى آثار الاستياء بادية على وجه علاء:
    - آسف يا صديقي، لا تظنني أنانيا أو مغرورا كما يبدو، فربما أخطأت التعبير ولكنها الحقيقة، أخبرني اذن كيف يسمحون لك باجتياز هذه الغابة وقت الغروب! ألا تعلم أن هذا خطر جدا عليك؟
    فأجاب علاء مدافعا:
    - الخطأ خطئي، فأنا من تأخر، ولو التزمت بالتعليمات لتجاوزتها في وقت النهار..
    وهم علاء بمتابعة طريقه؛ لكن عماد استوقفه قائلا:
    - لا تحمل نفسك المسؤولية، انظر إلى الأعداد الهائلة التي انسحبت منها والتحقت بمدرسة الفوز، هل هذا يعني أن جميعهم مخطئون!!
    بدا الاهتمام واضحا على وجه علاء، لا سيما وأن مدرسة الفوز قد أثارت فضوله منذ البداية، فانتهز عماد هذه الفرصة قائلا:
    - حسنا ما رأيك أن تأتي معي الآن فنحن لم ننته من توديع فصل الشتاء بعد، ومنزلي قريب من هنا.. ستسر أمي برؤيتك كثيرا..
    تردد علاء كثيرا، فرغم ثقته الشديدة بمدرسة النصر؛ إلا أن تأثير كلمات عماد لم يكن سهلا، فقد بدأت الشكوك تتسلل إلى نفسه دون أن يشعر، وصور العمل الشاق في الإسطبل، ومخازن الحبوب، بالإضافة على غرفة الامتحان الخانقة تتجسد أمامه لتتواءم مع تلك الكلمات، ليجد نفسه في حيرة شديدة، أيتابع طريقه عبر الغابة!
    أما عماد فلم يدعه لأفكاره – وهو يتابع معركة حامية في أعماق نفسه– إذ سرعان ما انتزعه منها بقوله:
    - ستغرب الشمس بعد قليل، فأين ستصلي المغرب؟
    فأجابه علاء بشرود:
    - سأصلي بالطريق إن شاء الله، فما زال أمامي بعض الوقت، وكل لحظة تضيع ليست في صالحي إذ علي الإسراع بالعودة..
    تنهد عماد بيأس:
    - أمازلت تفكر بالمدرسة!! حسنا لا بأس..
    ثم التقط نفسا قبل أن يقول:
    - اسمعني جيدا، المكان ما زال بعيدا من هنا ولا أظنك تستطيع العودة هذه الليلة على أية حال، ومجيئك معي لبعض الوقت لن يضرك بشيء..
    لم يخف على علاء ملاحظة قرب دخول وقت المغرب، وعليه أداء الصلاة، فسأل عماد:
    - هل هناك مسجد قريب من هنا؟
    أشرق وجه عماد بابتسامة جذلة، وهو يرى الفرصة مواتية:
    - المسجد قريب من منزلي، وسنصلي المغرب هناك جماعة، ما رأيك؟
    وأخيرا أسقط في يد علاء فسار مع عماد مسلوب الإرادة..
    سار الاثنان مبتعدين عن مفترق الطريق، وعلاء ما زال مطرقا قلقا وهو يسائل نفسه:
    - هل الشاب أهلا لثقتي يا ترى فأنا لا أعرف من هو حتى الآن!! كيف سلمت له بهذه السهولة.. ربما استغل موضوع سؤالي عن الصلاة ليستدرجني معه.. ألم يكن من الأفضل لي أداء الصلاة في طريقي!!


    *****
    من هو هذا الشاب الغريب؟ وكيف سيتصرف علاء معه؟

    هذا ما سنعرفه في الحلقة القادمة إن شاء الله، فكونوا معنا (:

    وصل اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

    تشوقت لمعرفة الشآب لم يصر كل هذآ الإصرآر على أخذ علآء معه !
    حمآآآأأس
    >3<


    أحبكم جميعًا

    .
    .
    .






  15. #35
    سبيستوني مفكّر الصورة الرمزية assen
    تاريخ التسجيل
    29 Aug 2012
    الحنس:
    أنثى
    المشاركات
    6,595
    مرحبًا غاليتي ^^
    يسرني انا اقتحم ساحة هذه الرواية الرائعة حقًا
    كل مرة يغرقني الفضول لقراءة المزيد من الرواية
    ومعرفة بقية الأحداث ^^
    اعجبتني شخصية علاء كثيرًا
    بما فيه ذكاءه الذي يحمله بعمره الصغير
    وتفكيره السليم واجتهاده دومًا ^^
    متابعة لجديد الرواية دومًا
    ان شاء اللهـ ^^



    املئ قلبكَ الجميل بالحب والتعاون والأصول
    وابعده عن الغيرة والحسد والغرور
    فمهما عرف الشرير قيمته
    يبقى مغرورًا ولن يتنازل عن غروره
    ابتسم في كل يوم
    ولا تدع احد يخرب الكون
    فالبسمة سر الحياة
    والضحكة حب وسلام
    ابتسم وساهم بجعل الكون اجمل
    فمن دونك داق الزرع فيذبل
    إمسح دمعت المسكين فيفرح
    وجعله افضل بفضلكَ اكثر
    ازرع نبتة المستقبل بأمان
    ولا تجعلها تذبل بدون اطمئنان
    إسقها بالماء مهما كان
    فهاذا يجعلك افضل من اي انسان


    #بأناملي #




    الأشخاص الذين نحبهم
    نحن مستعدين ان ننتظرهم حتى في احلامنا !!

    # بأناملي #

    .............................................


    ادعوكم للدخول لمدونتي
    ◄عشوائــــيا ت حروفـ ►





    .
    .
    .
    .

    لحظة ابتسم فاللهـ، يحب ابتسامتكـ،
    اتفقنا ^^





  16. #36
    سبيستوني ناشئ الصورة الرمزية alfurussiah
    تاريخ التسجيل
    05 Jun 2019
    الحنس:
    أنثى
    المشاركات
    179
    جزاكم الله خيرا لمتابعتكم وتفاعلكم واهتمامكم، أسعدني ذلك حقا، أسعدكم الله ^^

    كنت أود استطلاع آرائكم حول نزول الحلقات..

    هل تؤيدون كونها يومية، أم من الأفضل أن نجعلها حلقتين كل أسبوع مثلا حتى تتمكنوا من المتابعة بشكل أفضل؟


    ما رأيكم؟؟ ماذا تفضلون؟
    حلقة كل يوم، ام حلقة كل اسبوع؟ أم حلقتين في الاسبوع؟ أم ثلاث حلقات؟ أم كل يوم ما عدا الخميس والجمعة؟؟


    على كل حال.. سأنشر الحلقة التالية بعد قليل (في الرد التالي إن شاء الله) وبعدها سأنتظر آراءكم بخصوص مواعيد نشر الحلقات..
    وجزاكم الله خيرا

    لا تنسونا من صالح دعائكم ^^

    وصل اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

  17. #37
    سبيستوني ناشئ الصورة الرمزية alfurussiah
    تاريخ التسجيل
    05 Jun 2019
    الحنس:
    أنثى
    المشاركات
    179

    الحلقة الثانية عشرة: مدرسة النصر للفروسية


    الحلقة الثانية عشرة: مدرسة النصر للفروسية


    فوجئ علاء برؤية آخر شخص يتوقع رؤيته في غرفة المدير، فلم يستطع إخفاء دهشته بقوله:
    - عماد!! أنت هنا!!!

    ابتسم المدير مؤنبا:

    - هل من اللباقة والأدب التكلم مع الضيوف هكذا يا علاء ؟
    أطرق علاء وقد احمر وجهه خجلا:
    - أرجو المعذرة، إنني أعتذر عن تصرفي الخاطئ ..
    فابتسم المدير برضا:
    - حسنا، لقد عفونا عنك هذه المرة، فقد رغبنا بمفاجأتك، لكن حاول أن تكون أكثر سيطرة على انفعالاتك..
    فأومأ علاء برأسه:
    - سأحاول ذلك إن شاء الله..
    عندها أدرك علاء في لحظات ما غاب عنه، إذ لم يكن عماد سوى الشخص المكلف بمتابعته أثناء الاختبار! كانت مفاجأة حقيقية بالنسبة له، حتى أنها كادت أن تفقده توازنه وهو يسترجع الأحداث في ذاكرته بسرعة، محدثا نفسه:
    - كيف لم أنتبه لهذا!
    لكنه استدرك نفسه وهو يستخرجها من تلك الدوامة، فقال بأدب:
    - عفوا، استدعيتني أيها المدير؟
    هز المدير رأسه إيجابا، وهو يشير إلى المقعد المقابل لمقعدي عماد والمشرف عاطف:
    - تفضل بالجلوس يا بني..
    وجلس عدنان إلى جواره. وما هي إلا لحظات حتى أقبل رجل يحمل في يده مجموعة من الأوراق، بدا في الخمسين من عمره، تعلو وجهه بشاشة محببة للنفوس، و تتوج رأسه عمامة ناصعة البياض بمظهر غاية في الأناقة، وبعد أن ألقى التحية، واتخذ مجلسه إلى جانب المشرف عاطف، قال المدير معرفا به وهو يخاطب علاء:
    - المعلم أمين، أمير المعلمين الذي أشرف على امتحانك العلمي..
    وابتسم المعلم أمين مشيرا برأسه تحية لعلاء دون أن ينبس ببنت شفة..
    لم يكد يتم المدير عبارته حتى خفق قلب علاء بشدة، هل هذا هو يوم إعلان نتائج الاختبار؟
    ورغم أن المجلس لم يضم سوى المدير الذي جلس في الواجهة على مكتبه، وعن يمينه عماد والمشرف عاطف والمعلم أمين، في حين جلس عدنان إلى يساره بجانب علاء، إلا أن علاء شعر برهبة شديدة من هذا الاجتماع وكأنه سيحدد مصير العالم، وخُيل إليه أن خفقان قلبه أصبح مسموعا عن بعد أميال!
    استهل المدير حديثه بقوله:
    - يقول الله سبحانه وتعالى: ( واعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم) ويقول سبحانه: (
    وجادلهم بالتي هي أحسن).. انطلاقا من هاتين الآيتين؛ بنت المدرسة أسسها على علم الجدال والجلاد، تأسيا بالصحابة رضوان الله عنهم، فهم أكمل الخلق في الفروسيتين، فروسية العلم والبيان، وفروسية الرمي والطعن، ففتحوا القلوب بالحجة والبرهان، والبلاد بالسيف والسنان، تصديا لكل من حارب حرية العقول في الاختيار ليكرهها على الكفر، حتى أقام الله دين الإسلام بقاعدته الخالدة( لا إكراه في الدين) ..
    أخذ علاء ينصت باهتمام شديد لتلك الكلمات الكبيرة، والمعاني العظيمة، بعد أن هدأت نفسه تدريجيا، لتستشري الحماسة في أوصاله من جديد، في حين تابع المدير كلامه موضحا:
    - هناك مساران رئيسان في مدرستنا لا نستطيع تفضيل أحدهما على الآخر، الأول في علم الجلاد ويشمل خمس مراتب؛ بعد مرتبة المبتدئين، بداية من مرتبة همام وحتى مرتبة صنديد، يتقن خلالها الفارس أنواع الفروسية الأربعة، ركوب الخيل و الرمي بالقوس والمطاعنة بالرماح، وأخيرا المبارزة بالسيوف، بالإضافة إلى السباحة ومهارات أخرى، أما المسار الثاني فهو في علم الجدال، حيث تقع سبع مستويات، تشبه في معظمها مستويات التعليم النظامي في المنطقة، بداية من المستوى الرابع وانتهاء بالمستوى العاشر، تُدرّس فيها علوم المدارس النظامية في المنطقة، بالإضافة إلى عدد من العلوم الإضافية الخاصة بمدرستنا..
    كان علاء يستمع بشغف، متلهفا لخوض غمار تلك المسارات، حين سأله المدير:
    - لقد أنهيت دراسة المستوى الخامس في منطقتك يا علاء دون أن تقدم فيها اختبارا بسبب الحرب، أليس كذلك؟
    أومأ علاء برأسه مجيبا بنعم، فتابع المدير:
    - وكان يفترض أن تكون الآن في المستوى السادس، ولكنك كما تعلم مضى شهران تقريبا على بدء الدراسة فيها..
    غاصت الكلمات في حلق علاء وهو يشعر بمرارة لا مثيل لها، كلما تخيل أنه سيخسر سنة من عمره يعيد فيها المستوى الخامس، الذي لم يقدم فيه اختبارا في منطقته، هذا إن قُبل أصلا، فاكتفى بإيماءة من رأسه، تلاقت بعدها أعين المدير شامل والمعلم أمين، ليتابع الأخير الكلام قائلا لأول مرة:
    - لقد أديت اختبارا يقيس مدى تلاؤمك مع مستويات الدراسة هنا، وكانت النتيجة كالتالي..
    وصمت المعلم أمين وهو ينظر في الأوراق بين يديه، وكأنه يفسح المجال أمام قلب علاء ليخفق بشدة لا حدود لها، وقد تجسدت أمامه صورة الامتحان كاملة بما فيها أحداث الورقة الأخيرة التي كانت كالغصة في حلقه، وأخيرا تكلم المعلم أمين:
    - كما تعلم فإنك تحتاج إلى سبعين جزءا من أصل مئة؛ لتجتاز الامتحان الذي سيؤهلك لدخول المدرسة في المستوى السادس، وقد حصلت على خمس وثلاثين جزءا من أصل أربعين في القسم الأول، أما القسم الثاني في الورقة الأخيرة فقد حصلت على ستين جزءا كاملا من أصل ستين..
    لم يصدق علاء ما سمعه بالنسبة للقسم الثاني تحديدا، فهو يذكر تماما أنه لم يكتب أي بيت من تلك القصيد، وشعر أن هناك خطأ ما لذا لم يعط نفسه فرصة ليفرح بالنتيجة العالية حتى لا يصاب بخيبة أمل، بل استأذن بالحديث قائلا:
    - عفوا يا معلمي الفاضل، ولكنني لا أذكر أنني أجبت على الورقة الأخيرة!
    فابتسم المعلم أمين، وهو يتبادل النظرات مع الحاضرين، قائلا:
    - بل أديتها على أكمل وجه!
    بدا الوجوم واضحا على وجه علاء، فتكلم عدنان أخيرا بعد أن أشار له المعلم بالكلام:
    - ألا تذكر ما حدث وقتها يا علاء؟؟ لقد كان امتحانا للأمانة وقد تجاوزته بنجاح منقطع النظير..
    عندها فتح علاء عينيه بدهشة وهو يحملق في عدنان بذهول وقد أدرك كل شيء:
    - حتى أنت يا عدنان! لقد أديت دورك بمهارة، أنت ممثل بارع بحق!
    ورغم جدية الاجتماع إلا أن تعليق علاء وردة فعله أثارت ضحك الجميع، وابتسم عدنان:
    - ها قد برأت نفسي أمامك من أن أكون معينا على الغش، فمن غشنا فليس منا، ولم أكن كذلك بفضل الله..
    عندها شعر علاء بسعادة تغمره، لكنه أحب التأكد أكثر قبل أن يطلق العنان لنفسه، فسأل المعلم أمين:
    - عفوا يا معلمي، ولكن هل أفهم من كلامك أنني سألتحق بالمستوى السادس في المدرسة؟
    أومأ المعلم أمين بابتسامة عريضة مؤكدا:
    - أجل يا بني، ثم إن مراجعتك و إلمامك بذلك القدر من المعلومات في يومين، يدل على أنك تمتلك القدرة لتعويض ما فاتك خلال الشهرين الماضيين في المستوى السادس بإذن الله، فاحمد الله على هذا التوفيق..
    وقبل أن تتاح الفرصة لعلاء لقول أي شيء، تابع قائلا:
    - ولكن بقي هناك أمر آخر..
    والتفت إلى المدير شامل الذي قال بدوره:
    - هذا بالنسبة لمسار علم الجدال، أما بالنسبة لعلم الجلاد..
    وصمت المدير مشيرا لعماد الذي تكلم بهدوء وروية أشعرت علاء بأنه شخص آخر غير عماد الذي التقاه في الطريق:
    - لقد كان حادث الذئب الذي ساقه الله إليك يا علاء من أهم أسباب تقصير مدة الاختبار، فالشجاعة والقوة وكرم الأخلاق من أهم الركائز التي يجب توافرها في أي فارس نبيل، وقد أثبت جدارتك في ذلك وإن كانت هناك بعض نقاط الضعف التي نأمل منك تجاوزها، فهي قد تجعلك صيدا سهلا للمغرضين، في غياب التصرف الحكيم المتروي..
    وصمت عماد ليتابع المدير الكلام:
    - أعتقد أن الأمور باتت واضحة لك الآن يا علاء، لذا و بناء على ما سبق بالإضافة إلى إتقانك مهارة التعامل مع الخيول في خضم الأسابيع القليلة الماضية، رأينا أن نلحقك بمرتبة همام مباشرة دون المرور بمرتبة المبتدئين، وهكذا تستطيع اللحاق برفاقك في المستوى السادس الذين ترقى معظمهم إلى مرتبة مقدام من فترة وجيزة، فابذل جهدك واعلم أن الصدق والصبر، والحلم والأناة والتواضع والإخلاص بالإضافة إلى الشعور بالمسؤولية إلى جانب الشجاعة والقوة في الجسم وفي الإرادة ؛ أمور هامة، على الفارس الناجح التحلي بها..
    ثم التقط نفسا قبل أن يتابع :
    - والآن نهنئك يا علاء بهذا القبول في مدرسة النصر للفروسية، و سيريك المشرف عاطف غرفتك الجديدة ويطلعك على برنامج المدرسة وتعاليمها..
    ترقرقت دمعة في عيني علاء وهو يردد:
    - الحمد لله..
    واستأذن وهو ينهض من مكانه ليؤدي سجدة شكر لله، شعر فيها بعجزه الشديد عن أداء حق الشكر لخالقه الجواد الكريم المنان..


    ***


    استأذن علاء المشرف عاطف بمرافقة عماد أثناء توجهه لبوابة المدرسة وابتدره بقوله:
    - لقد أتقنت دورك جيدا يا أستاذ عماد!
    ابتسم عماد لتلك النبرة الجادة:
    - لا داعي لهذا التكلف فنحن ما زلنا أصدقاء، واعذرني إن لم أكن واضحا معك يا صديقي الصغير؛ فهذا واجبي..
    لكن علاء تابع:
    - هذا يعني أن كل ما حدثتني به من نسج خيالك؟
    فهز عماد رأسه نفيا:
    - كلا يا علاء، أنا لم أكذب عليك إطلاقا وجميع ما حدثتك به صحيح، باستثناء ما وصفت به مدرسة النصر بداية بحكم الاختبار وقد اعترفت بذلك آنذاك..
    ثم أطرق متابعا:
    - لقد كنتُ فعلا سيئا في البداية، ورُفضتُ من مدرسة النصر- للعمل بها- لكن إصرار والدي، ودعاء والدتي لي غيرا من مجرى حياتي الكثير بفضل الله، وها أنا ذا أبذل جهدي الآن لمساعدة المدرسة بقدر استطاعتي، وقد أصبحت مصدر ثقة لديهم بفضل الله، مثل الفلاح ربيع، وغيرنا كثيرون ممن يهمهم النهوض بأمتنا من براثن الهلاك لتكون كلمة الله هي العليا، ثم مد يده مصافحا:
    - عدني يا علاء أن تكون عند حسن ظننا بك، وتذكر أن فرصة عظيمة أتيحت لك لم تتح للكثيرين غيرك فابذل جهدك..
    كانت لتلك اللهجة الصادقة المؤثرة، المنبعثة من أعماق قلب غمره الإخلاص، أثرها العميق في نفس علاء، فشد على يديه بقوة:
    - أعدك بذلك وسأبذل أقصى جهدي، إن شاء الله..




    أسرع علاء باتجاه المشرف عاطف الذي كان ينتظره قرب غرفة المدير:
    – أرجو أن لا أكون قد تأخرت..
    فابتسم عاطف:
    - كلا يا بني، والآن سآخذك إلى غرفتك في الطابق الثالث، ستكون جولة مفيدة في التعرف إلى المدرسة..
    ثم أشار بيده باتجاه الطرف البعيد من الدهليز الطويل الممتد على يسار غرفة المدير قائلا:
    - سنصعد ذلك الدرج في آخر الممر..
    فالتفت علاء إلى الدرج القريب خلفه على يمين غرفة المدير بنظرة متسائلة، فتابع عاطف موضحا وقد فهم قصده:
    - هذا الدرج غير مخصص للطلبة هنا، هيا بنا يا علاء، ستتعرف الى قاعات الدراسة في هذا الطابق ايضا..
    تبع علاء عاطف وهو يتأمل اللوحات المعلقة على الجدار، بدا الممر هادئا رغم بعض الاصوات الخفيفة التي تدل على وجود دروس خلف الابواب المغلقة. أشار عاطف بيده الى أحدها قائلا:
    - هذه قاعة الدراسة للمستوى السادس..
    لم يكد عاطف يتم جملته حتى شعر علاء بتعرق واضح وتسمر مكانه للحظات يتأمل تلك القاعة المغلقة التي ستفتح له الافاق، حاول أن يرخي سمعه لعله يلتقط شيئا لكنه لم يسمع سوى جلبة خفيفة تدل على نقاش شائق في درس ممتع؛ او هكذا خيل اليه، حتى انتبه الى صوت عاطف وهو يحي المعلم الذي خرج من خلف أحد الأبواب التي فتحت للتو، ليتبعه عدد من الطلبة بقلانس بيضاء ناصعة بدوا أصغر سنا من علاء. التفت عاطف الى علاء وهو يقدمه للمعلم قائلا:
    - هذا هو الطالب الجديد الذي التحق بالمستوى السادس بمرتبة همام، علاء نور الدين..
    ثم وجه كلامه لعلاء معرفا:
    - المعلم برهان، سيدرسك علم الحياة وعلم الطبيعة والفلك..
    ورغم ما يبدو على المعلم من ارهاق وهو يرفل في عمامته البيضاء المغبرة قليلا من الجانب الايمن، عوضا عن شحوب بدا في وجهه وأسفل عينيه، الا انه ابتسم ابتسامة هادئة وهو يصافح علاء ويشد على يديه مرحبا:
    - اهلا بك يا بني، ارجو ان تشحذ همتك في تعويض ما فاتك، فما زلنا في البداية، وقد اثبتّ جدارتك بالامتحان فأنت أهل لذلك يا علاء..
    سعد علاء كثيرا بمصافحة المعلم برهان، وشعر بحماسة اضافية تلهب مشاعره جراء كلماته:
    - باذن الله سأكون عند حسن ظنك يا معلمي..
    كانت المرة الاولى التي يرى فيها علاء الطلبة وهم يخرجون مجتمعين باتجاه ساحة المدرسة، ولاحظ عاطف اهتمامه- وهو يسير معه في الممر الطويل باتجاه الدرج- فعلق قائلا:
    - هؤلاء طلبة المستوى الرابع، وجميعهم من مرتبة المبتدئين لذا تراهم بالقلانس البيضاء..
    لم يدرك علاء تماما ما الذي قصده المشرف عاطف بقوله، ولم يسأله عن ذلك اذ استوقفته لوحة كبيرة معلقة على الحائط لفتت نظره، حتى ان عاطف نظر اليه متسائلا:
    - توجد واحدة مثلها مقابل غرفة المدير، الم تنتبه لها هناك؟
    هز علاء رأسه نفيا وقد بدأ يشعر بالالفة تجاه المشرف عاطف:
    - هذه اول مرة ارى مثل هذه اللوحة الغريبة الرائعة! تبدو معقدة بعض الشئ اليس كذلك يا معلمي؟
    ثم هتف فجاة كمن انتبه الى شئ ما:
    - هناك خطوط و كتابات داخلها ايضا!! كيف لم انتبه لها في البداية؟
    فابتسم عاطف موضحا:
    - هذه اللوحة مخطط تفصيلي لمراتب المدرسة ومستوياتها برموزها والوانها، تستطيع ان تتأملها فيما بعد يا علاء اما الان فهيا بنا..
    بدت الدهشة واضحة على وجه علاء؛ اذ لم يخطر بباله قط ان يكون مخطط المدرسة بهذا الشكل، وود لو انه تفحصه ليعرف أكثر عن نظام المدرسة ومستوياتها، لكن المشرف عاطف بدا مستعجلا فتبعه مستسلما.
    اشار عاطف الى باب على الجانب الايسر من الممر أمامهما قائلا:
    - هذه قاعة المكتبة يا علاء، تستطيع زيارتها في اي وقت تشاء، وستجد قيّم المكتبة نوح على أهبة الاستعداد لتقديم يد العون دائما..
    وفي تلك اللحظة فُتح باب المكتبة وخرج منها طالبان بعمائم رمادية، أحدهما بدا مميزا بسحنته المائلة للسمرة مع عينين خضراوين واسعة، حيوا المشرف عاطف الذي بادلهم التحية بدوره داعيا لهما بالتوفيق ثم التفت الى علاء قائلا:
    - هؤلاء من افضل الطلبة في المستوى الخامس ومن مرتبة همام مثلك يا علاء، ستقابلهم في التدريب ان شاء الله..
    التفت علاء الى الخلف يتابعهما بنظرات متفحصة وهما يتابعان طريقهما في الدهليز باتجاه باب المدرسة الخارجي، ويحدث نفسه:
    - أرجو أن يكونا طيبين!
    وما ان وقع بصره على الواجهة الزجاجية للمكتبة - على يده اليسرى- والتي اظهرت رفوف الكتب الكثيرة التي لم يشهد علاء مثلها من قبل، حتى هتف:
    - ماشاء الله!!
    أومأ عاطف برأسه ايجابا وقد سره انبهار علاء، فتابع موضحا:
    - هذا ما يبدو لك من الواجهة الزجاجية فقط، وعندما تدخلها سترى أعداد الكتب الهائلة فيها، فالمدير شامل حريص جدا على تزويدها بكل ما يفيد رغم صعوبة الحصول على الكتب غالبا، لا سيما وأن العديد منها لا يتوافر الا في مركز المكتبات الرئيس في المنطقة، حتى انه استأجر ناسخا خاصا ينسخ الكتب لصالح المدرسة، وخصص مبلغا كبيرا من المال لأجل ذلك، هذا بالاضافة الى الكتب التي يحضرها اثناء تجواله في المناطق والممالك المختلفة، جزاه الله خيرا كثيرا، والحمد لله إذ أصبحت مكتبتنا مرجعا للعديد من طلبة العلم والمهتمين من خارج المدرسة ايضا..
    واستدرك عاطف فجأة:
    - لقد استطردت كثيرا في الحديث عنها، على كل حال، سيساعدك القيم نوح في التعرف عليها بشكل أفضل..
    كان علاء يدرك تماما مقدار الجهد المبذول من أجل مكتبة ضخمة كهذه، فحتى مجمع المكتبات الرئيس في مدينته لم يكن يحوي أعداد هذه النسخ الكثيرة.
    قطع علاء مع عاطف ثلثي الدهليز تقريبا وعيناه معلقتان بالواجهة الزجاجية للمكتبة حتى وصلا بابها الثاني القريب من الدرج، عندها لم يتمالك علاء نفسه من إبداء ملاحظته:
    - لم أتخيل أنني سأرى مكتبة بهذه الضخامة!
    لكن عاطف أشار إلى الباب المقابل لذلك الباب على يده اليمنى قائلا:
    - هذه قاعة التجارب العلمية، لا شك انك ستستمتع بإجراء التجارب فيها مع المعلم برهان بإذن الله..
    وأخيرا وصلا نهاية الدهليز المؤدي للدرج، وقبل أن يصعداه، لفت نظر علاء باب حديدي صغير أحكم إغلاقه بالمزاليج وعدد من الأقفال الحديدية يقبع في الزاوية المخفية خلف الدرج، وكأنه يؤدي إلى قبو فسيح، أو هكذا خيل لعلاء، لكن عاطف لم يشر له بشيء بل تابع طريقه صاعدا الدرج بخطوات ثابتة.
    تابع علاء طريقه خلف المشرف عاطف وعلامات الانبهار بالممرات الواسعة النظيفة اللامعة لا تفارق عينيه. وقف عاطف ومعه علاء على أول الممر في الطابق الثاني القريب من الدرج مشيرا إلى الأبواب على جانبي الممر قائلا:
    - هذه غرف ومكاتب المعلمين والمدربين والعاملين في المدرسة..
    ثم أشار إلى باب بدا مختلفا في تصميمه واتساعه عن الأبواب الأخرى، يقع على الناحية اليسرى عند الطلوع من الدرج قائلا:
    - هذه قاعة الطعام، عليك الالتزام بالحضور، خاصة على موعد الإفطار الجماعي..
    ثم صعدا الدرج إلى الطابق الثالث، وبعد أن تجاوزا ثلاثة أبواب في الممر على جانبهما الأيمن، وقف أمام باب طرق عليه ثلاث مرات قبل أن يفتحه، ليطلا على غرفة متوسطة الاتساع بها ثلاثة أسرة.
    فسح عاطف المجال لعلاء كي يدخل قائلا:
    - تفضل، هذه غرفتك يا علاء..
    وخمن علاء السرير المعد خصيصا له؛ إذ بدا واضحا أنه أُضيف مؤخرا للغرفة عوضا عن كون آثار زميليه في الغرفة واضحا على السريرين الآخرين، ولم يخف على عاطف ملاحظة نظرات علاء المتفحصة للسريرين، فعلق مازحا:
    - هل حدثتك الأسرة بشيء عن صاحبيهما؟
    عندها أسرع علاء بصرف بصره وقد احمرت وجنتاه وهو يقول:
    - كنت أحاول التخمين فقط، وأظن أن صاحب هذا السرير منظم جدا، أما الآخر فيبدو بسيطا للغاية!
    عندها بدت علامات الإعجاب بوضوح على وجه المشرف عاطف وهو يقول:
    - فراستك في محلها ما شاء الله..
    ثم أشار إلى السرير القريب من النافذة:
    - ستكون مسئولا عن ترتيب سريرك وتنظيفه، فاهتم به جيدا، كما ستقوم مع رفاقك بغسل ملاآتكم الخاصة بكم مرة في الأسبوع على الأقل، فالنظافة من الايمان، وهي ضرورية للفارس النبيل..
    واتجه نحو خزانة خشبية بها عدد من الأدراج، فتح أحدها ليخرج ثيابا بيضاء ناصعة، طويت بعناية، مع قطعة قماش رمادية قدمها لعلاء قائلا:
    - هذا درجك و سترتدي هذه الثياب الخاصة بالمدرسة من الغد إن شاء الله..
    ثم أشار إلى الرف الثالث من الرفوف المثبتة بالجدار، الزاخرة بعدد من الكتب والأقلام والكراريس، موضحا:
    - وهذه كتبك وأدواتك التي تحتاجها في الدراسة..
    وتابع وهو يتناول لائحتين من فوق الرف:
    - هذه لائحة الدروس والتدريبات في المدرسة، وهذه اللائحة الخاصة بأوقات الدروس في المستوى السادس وتدريبات مرتبة همام خلال الأسبوع، اطلع عليهما لتستعد للغد إن شاء الله..
    ثم اتجه نحو باب الغرفة خارجا منها وهو يقول:
    - تصرف على راحتك فالغرفة غرفتك..
    لكنه توقف مستدركا- قبل أن يغادر:
    - هناك قاعة كبيرة في نهاية الممر للدراسة، وفقك الله..
    فشكره علاء بأدب:
    - جزاك الله خيرا، أعدك أنني سأكون عند حسن ظنك إن شاء الله..
    وما إن أغلق عاطف الباب خلفه حتى أخذ علاء يتأمل اللوائح بتمعن:





    بعدها تأمل علاء لائحة أوقات الدروس للمستوى السادس صباحا، ومرتبة همام ظهرا، وهو يدقق النظر في دروس الغد الاثنين:
    "فترة الصباح: القرآن وعلومه/الحديث وعلومه/ علم الحياة/علم الحساب/ الحوادث والأيام/لغة العرب/لغة رامان.
    فترة الظهيرة: ركوب الخيل/ الرمي بالأقواس."
    ثم التقط نفسا عميقا واستلقى على سريره، بعد أن وضع ثياب المدرسة على طرفه، وتأمل السريرين مرة أخرى محدثا نفسه:
    - ترى، من هو صاحب هذا السرير المرتب بعناية فائقة!! أي نوع من الفتيان هو!! هل تراه مغرورا؟ هل هو صديق للآخر!! و هل سيتقبلان وجودي بينهما!!
    أغمض علاء عينيه قليلا:
    - هذه هي البداية..بداية الطريق فقط، أعني يارب.. أمي أبي اطمئنا، أعدكما أن تعبكما معي لن يضيع هباء ولا سدى، و سأبذل قصارى جهدي بإذن الله..
    وشعر برهبة سرت على أثرها قشعريرة في جسده، فهب واقفا باتجاه النافذة. شعر بسعادة غامرة لكونها تطل على واجهة المدرسة الأمامية، فاستطاع رؤية جامع الفتح من بعيد، ثم لمح عدنان وهو يجر عربة التبن باتجاه الإسطبل الذي استطاع رؤية جزء منه من مكانه. فأسرع لتوه خارجا من الغرفة..
    استعد عدنان للعودة إلى منزله مع غروب ذلك اليوم الجميل، وهو سعيد بنجاح صديقه، وما إن خطا خارج الإسطبل حتى فوجئ برؤية علاء أمامه، فسأله بدهشة:
    - ألم تذهب إلى غرفتك؟
    فأومأ علاء برأسه إيجابا:
    - بلى، ولكنني لم أشأ البقاء فيها وحدي، فزميلاي في الغرفة لم يعودا بعد..
    فسأله عدنان باهتمام:
    - وهل عرفت من هما؟
    هز علاء رأسه نفيا:
    - ليس بعد، أتمنى أن يكونا طيبين، ويتقبلا وجودي معهما!
    فابتسم عدنان مطمئنا:
    - لا تقلق من هذا الشأن ، فالطلبة هنا يتفاهمون بسرعة بفضل الله، إنهم كالأخوة..
    فابتسم علاء بدوره:
    - أرجو ذلك..
    فتابع عدنان مشجعا:
    - ستبدأ غدا دروسك الأولى إن شاء الله، فاحرص أن تأخذ قسطا كافيا من الراحة..
    لكن شرود علاء أوقفه عن المتابعة، فسأله باهتمام:
    - ما الذي دهاك يا علاء، ألست سعيدا بالتحاقك بالمدرسة بعد ذلك الجهد والعناء؟
    - بلى يا صديقي وإنني أحمد الله على هذه النعمة العظيمة .. ولكن هناك أمر يحيرني بشأن هذه المدرسة..
    بدا الاهتمام واضحا على وجه عدنان وهو يسأله:
    - أخبرني ماذا هناك ؟
    أطرق علاء مترددا:
    - في الحقيقة لا أعرف إن كان من حقي السؤال!!
    فحثه عدنان على المتابعة وقد بدأ الفضول يسيطر عليه:
    - هيا يا صديقي، أخبرني بما يحيرك ولا تخفِ عني شيئا، فهذا أفضل من أن تبقى أسير أفكارك..
    عندها انفرجت أسارير علاء وهو يقول:
    - أنت على حق يا صديقي.. إنني متعجب فقط؛ فالمسئولون هنا لا يأخذون مالا مقابل ما يقدمونه لنا، فكيف يسددون احتياجات المدرسة الكثيرة!! لقد أذهلني بناؤها الضخم والإعدادات الهائلة المزودة بها، لا سيما تلك المكتبة الضخمة التي لم أر مثلها من قبل، ما شاء الله..
    عندها شعر عدنان بارتياح، بعد أن اطمأن على صديقه، فأجاب مفسرا:
    - لا تنس أن والد المدير شامل السيد شاهين كان من أقرب المقربين للحاكم، عوضا عن ثرائه البالغ. تستطيع القول إن معظم الأراضي والحقول في المنطقة كانت تحت سيطرته ومن ضمن ممتلكاته، ويقال أنه كان ظالما مستبدا كغيره ممن هو في مثل منصبه، لذا لم يثق الناس فيه بداية عندما بدأ بإقامة المدرسة، لكن حرصه على إعادة المظالم لأهلها في نهاية حياته وإغداقه الأموال على الفقراء، جعل الناس يتخلون عن تلك الفكرة شيئا فشيئا لا سيما وأن ابنه الذي تسلم زمام الأمور من بعده، اشتهر بورعه وتقواه، وهكذا فإن ريع تلك الممتلكات يصرف لصالح المدرسة.. وقد بارك الله فيها..
    ثم التقط نفسا قبل أن يتابع همسا:
    - يقال أن سبب تغير حاله تلك؛ دعوة عجوز فقيرة رق لحالها على غير عادته.. وأي كان، فالله على كل شئ قدير..
    ردد علاء متأثرا:
    - رحمه الله، اللهم اجعل عمله هذا خالصا لوجهك الكريم واقبله صدقة جارية له إلى يوم القيامة واغفر له ما قد سلف..
    وأمن عدنان على دعائه:
    - اللهم آمين..
    في تلك اللحظة ارتفع صوت أذان المغرب من جامع الفتح، فذهبا معا، ليقرر علاء بعدها البقاء في الجامع حتى صلاة العشاء، فقد كان بحاجة لخلوة يخلوها مع ربه، قبل أن يبدأ مرحلة جديدة وهامة في حياته..


    ***********

    ها هو علاء قد التحق أخيرا بمدرسة النصر للفروسية، ليبدأ مرحلة هامة من حياته.. فكيف سيكون يومه الأول فيها؟ ومن هم رفاقه؟
    وهل سيتقبل الأساتذة والمدربين وجوده بينهم، والتحاقه المباشر بمرتبة همام؟
    وما هي أخبار "المروج الخضراء"؟

    أنتم على موعد مع شخصيات جديدة ولامعة من مدرسة النصر للفروسية، إن شاء الله.. فتابعونا (:

    ولا تنسونا من صالح دعائكم

    وصل اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم


  18. #38
    سبيستوني أصيل الصورة الرمزية syury
    تاريخ التسجيل
    08 Oct 2016
    الحنس:
    أنثى
    المشاركات
    4,138
    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة alfurussiah مشاهدة المشاركة
    الحلقة الحادية عشر: ليلى الربيع

    - كل هذا بسببك، لقد كنت قاسيا جدا في كلامك مع نجيب، ألا تعلم أنه لا يستطيع الذهاب إلى المدرسة!!
    وجهت ليلى ذلك الاتهام لعلاء، بعصبية فأسرع الفلاح ربيع يعتذر نيابة عنها، وهو يؤنبها:
    - ما هذا الذي تقولينه يا ليلى، هذا عيب، علاء لم يفعل شيئا!
    فاكتفت ليلى بالبكاء وهي تجري مبتعدة داخل الحقل، مما زاد من شعور علاء بالذنب فأطرق نادما وهو يقول:
    - بل ما تقوله صحيح يا عمي، لقد أخطأت فلم أكن أعرف شيئا عن نجيب، ولم أكن أقصد..
    ثم نظر اليه بعينين متوسلتين:
    - أرجوك بلغ اعتذاري له، وأعتذر مرة أخرى عما سببته من إزعاج للجميع، فعلي الذهاب الآن..
    ربت ربيع على كتفه مبتسما:
    - لا تشغل بالك بما حدث يا علاء، فسرعان ما سيعود نجيب لطبيعته ، وأنا متأكد من أنه سيعود لاصطحاب ليلى لترى المهر، وستنسى ما حدث وكأن شيئا لم يكن، إنه سريع الانفعال وحسب هذا كل ما في الأمر، لقد اعتدنا عليه..
    صافح علاء الفلاح ربيع بحرارة، ثم التفت إلى عماد مادا يده:
    - حسنا إلى اللقاء..
    لكن عماد استوقفه مقاطعا:
    - ماذا أصابك يا ولد، سأعود معك.. فمنزلي في الطريق..
    كانت هذه هي المرة الأولى التي لا يلاحظ فيها علاء ملامح الطريق الذي يسير فيه، وهو يسلك طريق الوادي كما أخبره المشرف عاطف، فقد كان فكره لا يزال مشغولا بما حدث، ورغم أن عماد حاول التسرية عنه، إلا أن محاولاته لم تجد نفعا، فقال أخيرا:
    - إلى متى تنوي البقاء على هذا الحال يا علاء، الموضوع لا يستحق كل هذا!
    لكن علاء أجابه بحزن عميق:
    - بل يستحق أكثر، وربما لن تتاح لي فرصة رؤية نجيب مرة أخرى لأعتذر عما بدر مني، ليتني أستطيع إصلاح ما أفسدته على الأقل، بعد أن جرحت مشاعره دون أن أدري!!
    - لا تقلق يا علاء، فنجيب ليس ضعيفا، وسرعان ما سينسى، ألم يخبرك العم ربيع بذلك؟؟ إنها مجرد لحظات عابرة لا أكثر..
    فقال علاء بألم:
    - ولكنني أنا السبب فيها، ما قالته ليلى كان صحيحا..
    فوكزه عماد في خاصرته:
    - لا تكترث لكلامها فهي ما تزال صغيرة لا تعي ما تقول، ثم إنها مستعدة لفعل أي شيء من أجل الدفاع عن نجيب ونبيل، فهي تعتبرهم بمثابة أخوتها الحقيقيين خاصة وأنه لا يوجد لديها أخوة أو أخوات، لذا تراها تتصرف أحيانا مثل الأولاد على عكس أختهم نهى التي تصغرها بعامين فقط..
    فنظر إليه علاء متسائلا:
    - هل تعرفهم جيدا يا عماد؟
    أومأ عماد مجيبا:
    - بالطبع، فقد كان والدهم السيد جابر رحمه الله مزارعا معروفا وصاحب أكبر مزرعة خيول في المنطقة، كما كان صديق والدي المقرب رحمه الله.
    - والدهم توفي إذن!
    - أجل يا علاء، ولهذا السبب تحمل نجيب مسؤولية كبيرة، في مساعدة والدته للعناية بأخوته والقيام بشؤون المنزل عوضا عن المزرعة الكبيرة، فقد توفي والده قبل أن تضع أمهم أختهم الصغيرة نور التي تبلغ من العمر ثلاث سنوات الآن. ثم التقط نفسا قبل أن يتابع:
    - نجيب فتى طموح جدا يعانق السحاب بطموحه وآماله التي لا حد لها، لكن الظروف لا تسمح له بتفجير طاقاته المكبوتة في صدره، لذا تراه عصبي المزاج أحيانا، ومن لطف الله به أن سخر له ذلك الأخ الرائع نبيل، ما شاء الله..
    كان علاء لا يزال مطرقا يفكر بما يسمعه، عندما سمع صوتا يناديه من بعيد فتوقف على إثره ملتفتا إلى الوراء ليشاهد نجيب على صهوة جواده يلوح له من فوق قمة جبل مشرف على الطريق، ولم يكد علاء يرفع يده ملوحا لنجيب هو الآخر وقد أشرق وجهه بشرا، حتى قذف نجيب نحوه لفافة كبيرة، قائلا بصوته الجهوري:
    - أحتفظ بها وألجم بها حصانك، فهي هديتي لك يا علاء..
    التقط علاء ببراعة الرمية المسددة نحوه بإحكام، هاتفا:
    - جزاك الله خيرا يا صديقي، أعدك بأنني سأعود لزيارتكم عندما تتاح لي الفرصة إن شاء الله..
    كان حدثا كفيلا بقشع سحائب الغمة عن وجه علاء، أما عماد فقد سُرّ كثيرا برؤية صديقه الصغير يستعيد بهجته من جديد، فابتسم قائلا:
    - ألم أقل لك!
    فابتسم علاء وهو يحمل اللفافة كمن يحافظ على كنز ثمين:
    - لا.. لم تقل بأن نجيب سيأتي!
    ضحك عماد وهو يرى علاء بمزاج جيد فأحب ممازحته قليلا:
    - بالمناسبة، ما رأيك بليلى، رأيتك تحدق فيها، فهل أعجبتك؟
    ارتبك علاء لتلك الملاحظة، فأسرع يدافع عن نفسه:
    - لقد لفتت نظري وحسب فشكلها يبدو غريبا عن المكان..
    فغمزه عماد بعينه قائلا:
    - أخبرني ألم تكن جميلة ؟
    ثم ابتسم متابعا وقد أعجبه انفعال علاء:
    - هيا اعترف، دعنا نقول أنك أحببتها مثلا..
    صرخ علاء وقد احمر وجهه من شدة الغضب:
    - كفاك هراء ما هذا الكلام يا عماد، إنها لا تعدو عن فتاة صغيرة تُذكرني بأختي المتوفاة!
    لم يكن عماد يعلم عن أخت علاء شيئا وشعر أنه قد يقلب عليه مواجعه، فأدار دفة الحديث وهو يخرج من جيبه علبة اسطوانية الشكل، فتحها وأخرج منها عودا قائلا:
    - ما رأيك بعود كيومار لعله يعدل مزاجك قليلا؟
    شهق علاء وهو ينظر إلى عماد بدهشة:
    - هل تستعمل الكيومار يا عماد؟
    فرد عماد بلا مبالاة:
    - وما الغضاضة في ذلك!! إنها صنعة الرجال..
    شعر علاء بغيظ يتميز في جسده:
    - أي رجال هؤلاء!! ألم تسمع عن أضراره؟؟
    فأجابه عماد بثقة:
    - ولكنه ليس حراما، هناك من أفتى بأنه لا يعدو كونه مكروها لا أكثر..
    ثم تابع كلامه وهو يشعل العود ويقدمه لعلاء:
    - صدقني لن تندم، جرب واحدة فهي تهدئ الأعصاب كثيرا..
    لم يكد يتم كلامه، حتى تلقى ضربة قوية من يد علاء أطارت العود من يده، أطلق إثرها صرخة مروعة:
    - لقد كدت تكسر يدي!! ما هذا يا ولد!!
    فرد علاء ببرود:
    - تستحق أكثر من ذلك، هذا ما كان ينقصني منك يا عماد!!
    فأجابه عماد متأوها وهو يفرك يده:
    - لا ينفع معك المزاح أبدا..
    فرد علاء:
    - أرجو أن يكون درسا لا تنساه..
    ثم استدرك معاتبا:
    - أخبرني، لماذا أسأت إلى مدرسة النصر، وتكلمت عنها بغير الحقيقة؟
    فقال عماد:
    - اعترف أنني أخطأت.. لكنني كنت أعتقد دوما أنها سبب تعاسة ابن جيراننا الذي حطم آمال والده حين رفض منها بسبب فشله..
    ثم التقط نفسا قبل أن يتابع:
    - ولا أخفيك قولا يا صديقي .. فقد رفضت من العمل فيها بداية أنا أيضا..
    فغر علاء فاه دهشة:
    - أحقا ما تقول!!
    ابتسم عماد:
    - وما الغرابة في ذلك! هل تبدو علي النباهة والذكاء إلى الحد الذي يجبرهم على قبولي!
    قالها ضاحكا.. وسط تعجب علاء، ثم تابع :
    - اعترف أنني لم أكن أصلح لشيء وقتها رغم جهود والدي الكبيرة – رحمه الله – لكنني تغيرت الآن كثيرا بفضل الله ثم بدعاء أمي لي.. بالتأكيد ..
    ثم ابتسم مازحا:
    - ألا تعتقد بأنني أتحلى بشجاعة كبيرة لأتحدث عن نفسي هكذا! ما رأيك يا صديقي الصغير؟
    فابتسم علاء:
    - بل إنني واثق من هذا..
    فهز عماد رأسه برضا:
    - إذن، لا تكن مثل عمك عماد يا ولد، وابذل جهدك لتلتحق بمدرسة النصر بإذن الله..
    وأخيرا نظر علاء إلى عماد نظرة إعجاب، فابتسم الأخير وهو يحك رأسه:
    - لا تحدق بي هكذا يا ولد! إنك تشعرني بالحرج!!
    فبادله علاء الابتسام قائلا:
    - حسنا ولكن لا تنسني من دعواتك الطيبة يا عم عماد..
    عندها تكلم عماد بنبرة شيخ وقور وهو يربت على كتف علاء:
    - وفقك الله يا بني..
    وضحك الاثنان..
    وبعد أن تناولا الشطائر التي أعدتها والدة عماد على عجل وقد تضورا جوعا، قال علاء:
    - لا أعرف ما الذي جعلك تصر على اصطحابي إلى منزلك تلك الليلة!
    فابتسم عماد قائلا:
    - في الحقيقة أحببت إدخال البهجة على قلب أمي، فهي تفرح بالضيوف كثيرا لا سيما وهي تقضي معظم الوقت وحدها..
    هز علاء رأسه متفهما:
    - هكذا إذن..
    فقال عماد مؤنبا:
    - ولكن إياك أن تكرر ما فعلته مرة أخرى، فمن لطف الله بك هذه المرة أنني لم أكن سيئا على الإطلاق، كن أكثر حذرا في المرات القادمة..
    عندها رمقه علاء بنظرات متسائلة:
    - هل تعني أنك أجريت لي امتحانا ففشلت فيه يا أستاذ عماد؟
    فابتسم عماد مداعبا:
    - تستطيع قول هذا، فيبدو أنني أحببت أن تشاركني الشعور بالفشل في الامتحان..
    فابتسم علاء:
    - أعاذنا الله من الفشل واليأس ووفقنا لخيري الدنيا والآخرة..
    وردد عماد:
    - اللهم آمين..
    كانا قد وصلا مفترق الطريق، فشد عماد على يد علاء يودعه وهو يحاول إعادة العصا إليه، لكن علاء رفض قائلا :
    - لست بحاجة إليها، بينما أنت مازلت في حاجتها حتى تصل المنزل، فقدمك لم تشف بعد..
    فقال عماد وهو يرمي بثقله على العصا:
    - إذا كنت مصرا فجزاك الله خيرا..
    ثم التقط نفسا قبل أن يتابع بجدية كبيرة، رغم طبيعته الساخرة:
    - نصيحة صغيرة أرجو أن تتذكرني بها يا علاء.. لا تغضب كثير ا لتعليقات الآخرين وإلا كنت هدفا سهلا أمامهم وتذكر قوله تعالى: ( واعرض عن الجاهلين )..
    أشرق وجه علاء وقد أدرك أمرا عظيما يفتقر إليه كثيرا:
    - جزاك الله خيرا، لن أنسى نصيحتك القيمة أبدا بإذن الله..

    ***

    وصل علاء المدرسة ليجد عدنان بانتظاره على أحر من الجمر ..
    - الحمد لله على سلامتك يا علاء، لقد قلقت عليك كثيرا!
    فاعتذر علاء وهو يصافحه:
    - أنني آسف حقا فــ..
    لكن عدنان لم يمهله ليتم عبارته إذ سارعه بقوله:
    - فيما بعد يا صديقي ستخبرني بكل شيء- إن شاء الله- أما الآن فالمدير شامل بانتظارك..
    خفق قلب علاء بشدة وهو يدلف إلى غرفة المدير بحذر، وكأنه بات يخشى المفاجآت..
    وما إن وقف أمامه حتى ابتدره المدير بوجه يخلو من أي تعبير:
    - عدت توا من مهمتك، أليس كذلك ؟
    أومأ علاء برأسه وهو يشعر بحرج شديد:
    - بلى..
    فتابع المدير بحزم:
    - وهل أديتها على الوجه المطلوب منك؟
    أطرق علاء -وقد دارت الأفكار والأحداث التي مر بها في رأسه بسرعة - قبل أن يجيب:
    - ليس تماما!
    فسأله المدير:
    - ما الذي تقصده بقولك هذا؟؟ أريد جوابا شافيا..
    سرت رعشة خفيفة في جسد علاء لتلك اللهجة الصارمة، وهو يعلم يقينا أن لا شيء يعلو على الصدق وقول الحقيقة، فجمع شجاعته وهو عازم على ذكر أسباب تأخيره، بداية من جدار الأخبار وحتى التقائه بعماد وما صادفهم بعد ذلك، فقال:
    - إن أذنت لي يا سيدي المدير فسأحدثك بما حدث معي لتحكم بنفسك..
    أبدى المدير موافقته بقوله:
    - هات ما لديك..

    ***

    احتار علاء بعد خروجه كثيرا؛ فهو لا يعرف جهة محددة ينصرف إليها، إلا العودة إلى ذلك الإسطبل من جديد، فالمدير لم يجد له عملا آخرا ولم يعلمه بما يتوجب عليه فعله..
    استقبله عدنان بقلق شديد وهو يرى أمارات التجهم والذهول بادية على وجهه فهرع إليه، ليجلسا معا فوق القش في الإسطبل، بعد أن وضع عدنان فرشاة التنظيف من يده:
    - خير يا علاء، ماذا حدث ؟ هل من جديد!!
    أطرق علاء وهو يحاول الاحتفاظ برباطة جأشه، رغم قلقه الشديد:
    - الحمد لله، لا تقلق بشأني يا عدنان..
    لكن عدنان لم يتركه:
    - ألم يقل لك المدير شيئا ؟
    تنهد علاء أخيرا وهو يقول:
    - لا أدري ما الذي كان يعنيه بالضبط، لكنه أشار إلى أن الشجاعة والقوة من أهم ركائز المدرسة، ثم سألني عن أهم فائدة خرجت بها من تلك المهمة!
    فسأله عدنان بلهفة:
    - وماذا كان جوابك يا علاء؟
    فقال علاء بعد أن قص على عدنان ما حدث معه في الطريق:
    - قلت له بعد تفكير عميق، أنه برغم الفوائد الجمة؛ إلا أن هناك فائدتين عظيمتين احتار في تفضيل إحداهما على الأخرى، فالأولى تتعلق بشخصيتي، حيث نبهني عماد جزاه الله خيرا إلى قول الرسول صلى الله عليه وسلم: ( لا تغضب ).. بالإضافة إلى قضية هامة وخطيرة متمثلة في قوله سبحانه وتعالى: ( يا أيها الذين أمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين ) ، أما الثانية فهي أهمية اختيار الكلمات وانتقائها بدقة قبل نطقها، فقد نسبب إيذاءً لشخص ما دون أن ندري، وربما تكون سببا في ندامة لا تحمد عقباها، فالكلمة تملكها قبل أن تخرج، فإن خرجت ملكتك ولن تستطيع إعادتها..
    وصمت علاء يلتقط أنفاسه وصورة نجيب لا تفارق مخيلته، لكن عدنان حثه على المتابعة وهو يسأله:
    - وماذا كان رد المدير؟
    أغمض علاء عينيه كمن يتأمل المشهد لينقله بدقة:
    - دعا لي بالبركة والتوفيق ثم قال، آمل أن تكون قد وعيت ذلك جيدا، بعدها أخبرني أنني أستطيع الانصراف!
    فابتسم عدنان وقد اطمأن قلبه إلى حد كبير:
    - أبشر بخير يا صديقي، فكلام المدير مطمئن جدا..
    أطرق علاء برأسه مرددا:
    - أرجو ذلك..
    ثم التفت إلى عدنان والتردد باديا في عينيه، ولم يخف على عدنان ملاحظة ذلك فشجعه على الكلام بقوله:
    - كأن أمرا ما يشغل فكرك بشدة، هل هناك شيء يا علاء؟؟
    فقال علاء رغم تردده الواضح:
    - لا أعرف إن كان من حقي السؤال أم لا!
    وبعد أن التقط نفسا تابع:
    - هل تعرف نجيب ونبيل يا عدنان؟
    فقال عدنان:
    - تقصد أصحاب مزرعة الخيول؟
    فأومأ علاء برأسه إيجابا:
    - أجل، لقد أخبرني عماد أنهما يمتلكان مزرعة للخيول..
    فابتسم عدنان:
    - بالطبع أعرفهما، فهناك صلة قرابة تربطني بهما من جهة أمي..
    عندها فتح علاء فاه من المفاجأة:
    - أحقا ما تقول!! إذن أنت تعرفهما جيدا!
    ضحك عدنان من لهفة علاء قائلا:
    - إلى حد ما، فقد كنت أزورهما مع أمي، ولكن أخبرني، ما الذي تريد معرفته عنهما؟
    احمر وجه علاء خجلا فقد شعر أن في كلام عدنان إشارة إلى فضوله، لكنه قال:
    - لقد أخبرتك بما حدث مع نجيب وتأثره بكلامي.. في الحقيقة..
    وبتر كلامه، فتابع عدنان:
    - تريد أن تعرف الطريقة المناسبة لمساعدة نجيب في تحقيق طموحه وأحلامه بالالتحاق بالمدرسة؟ فأنت تشعر بالأسى من أجله أليس كذلك يا علاء؟
    فأجاب علاء بلهفة:
    - أنت تفهمني تماما يا عدنان!
    ثم تابع بانفعال شديد:
    - إذا كان لكل شخص ظروف تعيقه عن تحقيق أهدافه العظيمة؛ فمن سيقف في وجه أعداء أمتنا؟؟ ألسنا بحاجة لكل فارس قوي شجاع؟؟ لكم أتمنى أن أرى نجيب..
    وبتر علاء عبارته وهو في أوج انفعاله، فقد بات كلامه واضحا، عندها أومأ عدنان برأسه:
    - حسنا سأخبرك كل شيء عنهم، ولكن قبل ذلك أجبني، هل ما زلت تذكر مبادئ تنظيف الخيول؟
    بدت الدهشة على وجه علاء، لكنه أومأ برأسه:
    - أجل، ولكن ما علاقة هذا بما كنا نتحدث عنه!!
    فأردف عدنان موضحا:
    - ألم أنبهك الى ضرورة ملاحظة ضربات أذنها حتى لا تضغط على الأجزاء الحساسة في جسمها، فتلقى ما لا يحمد عقباه؟
    لمعت عينا علاء وقد فهم مغزى الحديث، فقال:
    - معك حق يا صديقي، يلزمني الكثير حتى أنتبه للأوتار الحساسة عند الآخرين فلا أضرب عليها، أعدك أنني سأبذل جهدي لأتجنب الوقوع في هذا الخطأ مرة أخرى إن شاء الله..
    فابتسم عدنان:
    - اسأل الله أن يوفقنا جميعا لحسن التصرف، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، هل وجود هذه الأجزاء الحساسة في جسم الحصان تمنعه من أداء مهمته؟
    لاذ علاء بالصمت وهو يحاول التمعن فيما يرمي له عدنان الذي التقط نفسا عميقا قبل أن يتابع:
    - أخبرني يا علاء، هل الأمة بحاجة إلى أن يصبح جميع أبنائها فرسانا!!
    كان سؤاله مباغتا، هز كيان علاء بشدة، إذ لم يخطر بباله قط التفكير بهذه الطريقة، فأطرق برأسه مفكرا حتى قطع عدنان الصمت بقوله:
    - بالطبع لا يا علاء، ألم تسمع قوله تعالى: ( فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة)؟ لو التحق الجميع بمدارس الفروسية ليتخرجوا فرسانا؛ فمن سيقوم بالأدوار الأخرى التي تحتاجها الأمة؟؟ هناك العديد من الثغرات، و لكل منا دوره الخاص الذي يسخره الله له، علينا اكتشافها بأنفسنا مستعينين بما أعطانا الله إياه من قدرات وهبات وسخر لنا من ظروف لنقوم بدورنا على الوجه الأفضل..
    بدا علاء ساهما غارقا بتفكير عميق قلب موازينه التي يعرفها، فتكلم أخيرا:
    - هل تقصد أن دور نجيب ليس في مدرسة الفروسية؟
    - لا أعني نجيب تحديدا، وإنما أقصد بشكل عام أنه ليس بالضرورة أن يلتحق الجميع بمدرسة الفروسية ليقدموا شيئا للأمة، ومن يدري فقد يكون دور نجيب خارج المدرسة أنفع للأمة من التحاقه بها!
    ثم استدرك عدنان قبل أن يقول:
    - كأننا تحدثنا عن شيء كهذا من قبل، ألا تذكر يا علاء؟
    بدت امارات الرضا على وجه علاء أخيرا وهو يستعيد من ذاكرته آثار ذلك الحوار الذي لم يكن قد وعاه جيدا آنذاك، فقال:
    - جزاك الله خيرا يا عدنان، لقد فتحت لي آفاقا جديدة وأنا مدين لك بها..
    فابتسم عدنان:
    - أرى أنه لم يعد هناك شيء تريد معرفته عن نجيب وعائلته..
    عندها تذكر علاء شيئا أثار فضوله بشدة، لكنه آثر الصمت، ولدهشته الشديدة، فوجئ بعدنان يقول له:
    - تريد السؤال عن ليلى أليس كذلك؟ إنها فتاة يتيمة وهي ابنة السيد ربيع بالرضاعة..
    فهتف علاء وهو يحملق بعدنان:
    - لقد أصبحت تقرأ أفكاري يا عدنان! يبدو أن فضولي تجاوز الحدود!!
    فابتسم عدنان:
    - لا ألومك يا علاء فمظهرها يثير الفضول فعلا حتى أنني..
    وصمت عدنان فلم يكمل عبارته، ولاحت له صورة قديمة لم تبرح ذاكرته، كيف لا وهي المرة الأولى التي يرى فيها تغير ملامح الفلاح ربيع، ذي الطبع الهادئ والوجه المتسامح، في صورة لم يعهده فيها من قبل، يومها كان يعاونه في حقله برفقة نجيب ونبيل ومعهم ليلى الصغيرة، التي شعرت بالحر الشديد وقد أخذ العرق يتصبب منها، كانت تجلس القرفصاء إلى جواره وهم يقتلعون الأعشاب الضارة، وهي تردد متذمرة:
    - يا لهذا الحَر!
    فابتسم نبيل:
    - لم يجبرك أحد على المجيء معنا!
    لكن ليلى رمقته بنظرة حادة:
    - أنا لم آت معك أنت!
    عندها شعر نبيل بأنه أغضبها فتدارك الموقف بسرعة:
    - كنت أعني أن الحر شديد عليك يا ليلى، ثم لماذا ترتدين هذا المعطف ذا الأكمام الطويلة؟ لماذا لا تخلعينه؟
    لكن الوجوم خيّم على وجهها، وهي تردد بحزن:
    - لا أستطيع!
    عندها التفت نجيب نحوها تاركا ما بيده وهو يسألها بلهفة متوجسة:
    - لماذا؟ هل هناك شيء؟؟
    لم تجب ليلى في حين ألح عليها نجيب السؤال- كمن وجد شيئا ويخاف إضاعته من جديد- إلى أن ردت أخيرا:
    - لا شيء..
    وهمت بخلع معطفها، لكنها لم تكد تفعل ذلك حتى انتبه الفلاح ربيع لها؛ فانتهرها بمشهد لم يألفوه من قبل، وهو يمسكها بقوة من يدها موبخا:
    - لقد نقضت الاتفاق!
    لكن ليلى أسرعت تدافع عن نفسها:
    - صدقني لم أقصد، كان الحر شديدا يا أبي!
    فهب نجيب مدافعا عنها- ونبيل إلى جواره:
    - أعذرنا يا عمي فنحن من اقترح عليها ذلك..
    كان عدنان يحاول وقتها تجاهل ما يجري، فعليه العودة مع أمه، لكنه لم يستطع منع فكره من الخوض فيما رآه، فقد كانت تلفت نظره قطعة القماش الملتفة حول معصمها باستمرار، إذ لا يذكر أنه رآها بدونها، أفيعقل أن تكون الأكمام عوضا عنها؟؟ ربما لم تكن ترتديها، رغم أنها لا تفارق معصمها أبدا..
    بدا عدنان شاردا في أفكاره، وكأنه نسي وجود علاء إلى جواره، وهو يسترجع تلك الأحداث، حتى أنه لم يدر كيف سأل علاء:
    - هل انتبهت إلى معصمها؟ أما زالت تلفه بقطعة القماش؟
    فوجئ علاء من سؤال عدنان، فسأله بتعجب:
    - وهل لهذا دلالة ما؟؟
    فابتسم عدنان ضاحكا بعد أن انتبه لنفسه:
    - لا تهتم لهذا يا صديقي، كان مجرد سؤال عابر!
    ولم يخطر ببال أحد أن قطعة القماش الصغيرة تلك، تخفي تحتها سرا خطيرا وعظيما، أعظم من أن يستوعبه عقل فتاة صغيرة، تعيش حياة بسيطة وسعيدة بين المزارع والحقول..
    مر الوقت سريعا، فانتبه عدنان إلى أنه لم ينته من تنظيف الخيول بعد، فنهض من مكانه وهو يردد كفارة المجلس:
    - سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك، أرجو أن لا أكون قد أثقلت عليك بكلامي يا علاء..
    فقاطعه علاء:
    - بل اعذرني أنا فقد أخذت من وقتك!
    لكن عدنان بادره مطمئنا:
    - لا تقل هذا يا علاء فقد أوشكت على الانتهاء تقريبا، وكنت بحاجة لاستراحة على أي حال..
    وأخيرا تساءل علاء:
    - ترى، ماذا يفترض مني أن أعمل الآن! هل أعاود العمل في الإسطبل من جديد؟
    فأجابه عدنان وهو يتابع عمله بتنظيف الخيول:
    - لا أعتقد ذلك فقد أخبرني المشرف عاطف أن إجازتي الطارئة قد انتهت وهذا يعني أنك أنهيت عملك في الإسطبل..
    فتساءل علاء مجددا:
    - وماذا سأفعل إذن!
    توقف عدنان مفكرا للحظة، قبل أن يقول:
    - لماذا لم تسأل المدير قبل خروجك ؟
    فتنهد علاء:
    - في الحقيقة لم اعرف كيف أتصرف وقتها..
    ثم التقط نفسا وهو يشمر عن ساعديه، قائلا:
    - على أية حال سأساعدك، لعلي أستطيع تعويض الوقت الذي تحدثنا فيه..
    فهز عدنان رأسه وهو يعصر خرقة التنظيف:
    - أوكد لك أنه لا داعي لذلك فقد أوشكت على الانتهاء، ثم إنك لم تنم ليلة أمس، فما رأيك أن تأخذ غفوة صغيرة قبل الظهر؟
    لكن علاء أصر على قوله وهو يلتقط نفسا عميقا، فاتحا ذراعيه بقوة:
    - إنني في قمة النشاط بفضل الله، ولا أشعر بالنعاس الآن، لذا تستطيع الاستراحة أنت، وسأكمل ما تبقى عنك، فانا لا أحب الجلوس متفرجا هكذا!
    فابتسم عدنان:
    - إذا كان لابد من ذلك؛ فسنعمل معا..
    وفي تلك اللحظات دخل عليهما عاطف، فابتسم وقد سر لرؤيتهما يعملان معا:
    - بارك الله فيكما يا أبنائي فقد أحسنتما صنعا، يد الله مع الجماعة ..
    ثم وجه حديثه لعلاء:
    - المدير يريدك في غرفته بعد صلاة الظهر..
    والتفت إلى عدنان:
    - وأنت يا عدنان.. تعال معه..
    ****

    ما الذي يريده المدير من علاء؟؟ وما هو القرار الذي سيصدره بحقه؟

    هذا ما سنعرفه في الحلقة القادمة إن شاء الله (:

    حتى ذلك الحين.. يسعدنا مشاركتكم رسمة (ليلى الربيع) الفائزة في مسابقة رسم مدرسة الفروسية، من ابداع
    "ريحانة قارة عبد الله" من الجزائر جزاها الله خيرا ^^



    ولا تنسونا من صالح دعائكم (:

    وصل اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

    مرحبًا
    ^^
    بصرآحة كنت أحس من بدآية التقآء علآء بعمآد اختبآر من المدرسة
    ^^"
    وأحس شخصية عدنآن رآشدة وذكية أيضًا مع أنه بسيط
    :>
    تشوقت لأعرف عن ليلى أكثر ومآ السر الذي خلف الربآط على معصمهآ
    والاتفاق الذي يقصده ربيع
    .. متشوقة >3<


    أحبكم جميعًا

    .
    .
    .






  19. #39
    سبيستوني أصيل الصورة الرمزية syury
    تاريخ التسجيل
    08 Oct 2016
    الحنس:
    أنثى
    المشاركات
    4,138
    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة alfurussiah مشاهدة المشاركة
    جزاكم الله خيرا لمتابعتكم وتفاعلكم واهتمامكم، أسعدني ذلك حقا، أسعدكم الله ^^

    كنت أود استطلاع آرائكم حول نزول الحلقات..

    هل تؤيدون كونها يومية، أم من الأفضل أن نجعلها حلقتين كل أسبوع مثلا حتى تتمكنوا من المتابعة بشكل أفضل؟


    ما رأيكم؟؟ ماذا تفضلون؟
    حلقة كل يوم، ام حلقة كل اسبوع؟ أم حلقتين في الاسبوع؟ أم ثلاث حلقات؟ أم كل يوم ما عدا الخميس والجمعة؟؟


    على كل حال.. سأنشر الحلقة التالية بعد قليل (في الرد التالي إن شاء الله) وبعدها سأنتظر آراءكم بخصوص مواعيد نشر الحلقات..
    وجزاكم الله خيرا

    لا تنسونا من صالح دعائكم ^^

    وصل اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
    أرجوا منكـِ أن تكون يوميًا مع أني أعلم أن هذآ متعب لكـِ ^^"
    أو أن تكون كل الأسبوع مآ عدآ الخميس والجمعة
    ^^
    بصرآحة الموآقف في القصة تشدني لمتآبعتهآ وأريد معرفة مآ سيحصل
    >3<
    وشكرًا لعرضكـِ القصة لنآ

    آآه صحيح كتبت لكـِ رد في الحلقة صفر
    ( الحلم )
    أتمنى أن تجيبيني عليه ^^
    #3


    أحبكم جميعًا

    .
    .
    .






  20. #40
    سبيستوني أصيل الصورة الرمزية syury
    تاريخ التسجيل
    08 Oct 2016
    الحنس:
    أنثى
    المشاركات
    4,138
    اقتباس المشاركة الأصلية كتبت بواسطة alfurussiah مشاهدة المشاركة

    الحلقة الثانية عشرة: مدرسة النصر للفروسية


    فوجئ علاء برؤية آخر شخص يتوقع رؤيته في غرفة المدير، فلم يستطع إخفاء دهشته بقوله:
    - عماد!! أنت هنا!!!

    ابتسم المدير مؤنبا:

    - هل من اللباقة والأدب التكلم مع الضيوف هكذا يا علاء ؟
    أطرق علاء وقد احمر وجهه خجلا:
    - أرجو المعذرة، إنني أعتذر عن تصرفي الخاطئ ..
    فابتسم المدير برضا:
    - حسنا، لقد عفونا عنك هذه المرة، فقد رغبنا بمفاجأتك، لكن حاول أن تكون أكثر سيطرة على انفعالاتك..
    فأومأ علاء برأسه:
    - سأحاول ذلك إن شاء الله..
    عندها أدرك علاء في لحظات ما غاب عنه، إذ لم يكن عماد سوى الشخص المكلف بمتابعته أثناء الاختبار! كانت مفاجأة حقيقية بالنسبة له، حتى أنها كادت أن تفقده توازنه وهو يسترجع الأحداث في ذاكرته بسرعة، محدثا نفسه:
    - كيف لم أنتبه لهذا!
    لكنه استدرك نفسه وهو يستخرجها من تلك الدوامة، فقال بأدب:
    - عفوا، استدعيتني أيها المدير؟
    هز المدير رأسه إيجابا، وهو يشير إلى المقعد المقابل لمقعدي عماد والمشرف عاطف:
    - تفضل بالجلوس يا بني..
    وجلس عدنان إلى جواره. وما هي إلا لحظات حتى أقبل رجل يحمل في يده مجموعة من الأوراق، بدا في الخمسين من عمره، تعلو وجهه بشاشة محببة للنفوس، و تتوج رأسه عمامة ناصعة البياض بمظهر غاية في الأناقة، وبعد أن ألقى التحية، واتخذ مجلسه إلى جانب المشرف عاطف، قال المدير معرفا به وهو يخاطب علاء:
    - المعلم أمين، أمير المعلمين الذي أشرف على امتحانك العلمي..
    وابتسم المعلم أمين مشيرا برأسه تحية لعلاء دون أن ينبس ببنت شفة..
    لم يكد يتم المدير عبارته حتى خفق قلب علاء بشدة، هل هذا هو يوم إعلان نتائج الاختبار؟
    ورغم أن المجلس لم يضم سوى المدير الذي جلس في الواجهة على مكتبه، وعن يمينه عماد والمشرف عاطف والمعلم أمين، في حين جلس عدنان إلى يساره بجانب علاء، إلا أن علاء شعر برهبة شديدة من هذا الاجتماع وكأنه سيحدد مصير العالم، وخُيل إليه أن خفقان قلبه أصبح مسموعا عن بعد أميال!
    استهل المدير حديثه بقوله:
    - يقول الله سبحانه وتعالى: ( واعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم) ويقول سبحانه: (
    وجادلهم بالتي هي أحسن).. انطلاقا من هاتين الآيتين؛ بنت المدرسة أسسها على علم الجدال والجلاد، تأسيا بالصحابة رضوان الله عنهم، فهم أكمل الخلق في الفروسيتين، فروسية العلم والبيان، وفروسية الرمي والطعن، ففتحوا القلوب بالحجة والبرهان، والبلاد بالسيف والسنان، تصديا لكل من حارب حرية العقول في الاختيار ليكرهها على الكفر، حتى أقام الله دين الإسلام بقاعدته الخالدة( لا إكراه في الدين) ..
    أخذ علاء ينصت باهتمام شديد لتلك الكلمات الكبيرة، والمعاني العظيمة، بعد أن هدأت نفسه تدريجيا، لتستشري الحماسة في أوصاله من جديد، في حين تابع المدير كلامه موضحا:
    - هناك مساران رئيسان في مدرستنا لا نستطيع تفضيل أحدهما على الآخر، الأول في علم الجلاد ويشمل خمس مراتب؛ بعد مرتبة المبتدئين، بداية من مرتبة همام وحتى مرتبة صنديد، يتقن خلالها الفارس أنواع الفروسية الأربعة، ركوب الخيل و الرمي بالقوس والمطاعنة بالرماح، وأخيرا المبارزة بالسيوف، بالإضافة إلى السباحة ومهارات أخرى، أما المسار الثاني فهو في علم الجدال، حيث تقع سبع مستويات، تشبه في معظمها مستويات التعليم النظامي في المنطقة، بداية من المستوى الرابع وانتهاء بالمستوى العاشر، تُدرّس فيها علوم المدارس النظامية في المنطقة، بالإضافة إلى عدد من العلوم الإضافية الخاصة بمدرستنا..
    كان علاء يستمع بشغف، متلهفا لخوض غمار تلك المسارات، حين سأله المدير:
    - لقد أنهيت دراسة المستوى الخامس في منطقتك يا علاء دون أن تقدم فيها اختبارا بسبب الحرب، أليس كذلك؟
    أومأ علاء برأسه مجيبا بنعم، فتابع المدير:
    - وكان يفترض أن تكون الآن في المستوى السادس، ولكنك كما تعلم مضى شهران تقريبا على بدء الدراسة فيها..
    غاصت الكلمات في حلق علاء وهو يشعر بمرارة لا مثيل لها، كلما تخيل أنه سيخسر سنة من عمره يعيد فيها المستوى الخامس، الذي لم يقدم فيه اختبارا في منطقته، هذا إن قُبل أصلا، فاكتفى بإيماءة من رأسه، تلاقت بعدها أعين المدير شامل والمعلم أمين، ليتابع الأخير الكلام قائلا لأول مرة:
    - لقد أديت اختبارا يقيس مدى تلاؤمك مع مستويات الدراسة هنا، وكانت النتيجة كالتالي..
    وصمت المعلم أمين وهو ينظر في الأوراق بين يديه، وكأنه يفسح المجال أمام قلب علاء ليخفق بشدة لا حدود لها، وقد تجسدت أمامه صورة الامتحان كاملة بما فيها أحداث الورقة الأخيرة التي كانت كالغصة في حلقه، وأخيرا تكلم المعلم أمين:
    - كما تعلم فإنك تحتاج إلى سبعين جزءا من أصل مئة؛ لتجتاز الامتحان الذي سيؤهلك لدخول المدرسة في المستوى السادس، وقد حصلت على خمس وثلاثين جزءا من أصل أربعين في القسم الأول، أما القسم الثاني في الورقة الأخيرة فقد حصلت على ستين جزءا كاملا من أصل ستين..
    لم يصدق علاء ما سمعه بالنسبة للقسم الثاني تحديدا، فهو يذكر تماما أنه لم يكتب أي بيت من تلك القصيد، وشعر أن هناك خطأ ما لذا لم يعط نفسه فرصة ليفرح بالنتيجة العالية حتى لا يصاب بخيبة أمل، بل استأذن بالحديث قائلا:
    - عفوا يا معلمي الفاضل، ولكنني لا أذكر أنني أجبت على الورقة الأخيرة!
    فابتسم المعلم أمين، وهو يتبادل النظرات مع الحاضرين، قائلا:
    - بل أديتها على أكمل وجه!
    بدا الوجوم واضحا على وجه علاء، فتكلم عدنان أخيرا بعد أن أشار له المعلم بالكلام:
    - ألا تذكر ما حدث وقتها يا علاء؟؟ لقد كان امتحانا للأمانة وقد تجاوزته بنجاح منقطع النظير..
    عندها فتح علاء عينيه بدهشة وهو يحملق في عدنان بذهول وقد أدرك كل شيء:
    - حتى أنت يا عدنان! لقد أديت دورك بمهارة، أنت ممثل بارع بحق!
    ورغم جدية الاجتماع إلا أن تعليق علاء وردة فعله أثارت ضحك الجميع، وابتسم عدنان:
    - ها قد برأت نفسي أمامك من أن أكون معينا على الغش، فمن غشنا فليس منا، ولم أكن كذلك بفضل الله..
    عندها شعر علاء بسعادة تغمره، لكنه أحب التأكد أكثر قبل أن يطلق العنان لنفسه، فسأل المعلم أمين:
    - عفوا يا معلمي، ولكن هل أفهم من كلامك أنني سألتحق بالمستوى السادس في المدرسة؟
    أومأ المعلم أمين بابتسامة عريضة مؤكدا:
    - أجل يا بني، ثم إن مراجعتك و إلمامك بذلك القدر من المعلومات في يومين، يدل على أنك تمتلك القدرة لتعويض ما فاتك خلال الشهرين الماضيين في المستوى السادس بإذن الله، فاحمد الله على هذا التوفيق..
    وقبل أن تتاح الفرصة لعلاء لقول أي شيء، تابع قائلا:
    - ولكن بقي هناك أمر آخر..
    والتفت إلى المدير شامل الذي قال بدوره:
    - هذا بالنسبة لمسار علم الجدال، أما بالنسبة لعلم الجلاد..
    وصمت المدير مشيرا لعماد الذي تكلم بهدوء وروية أشعرت علاء بأنه شخص آخر غير عماد الذي التقاه في الطريق:
    - لقد كان حادث الذئب الذي ساقه الله إليك يا علاء من أهم أسباب تقصير مدة الاختبار، فالشجاعة والقوة وكرم الأخلاق من أهم الركائز التي يجب توافرها في أي فارس نبيل، وقد أثبت جدارتك في ذلك وإن كانت هناك بعض نقاط الضعف التي نأمل منك تجاوزها، فهي قد تجعلك صيدا سهلا للمغرضين، في غياب التصرف الحكيم المتروي..
    وصمت عماد ليتابع المدير الكلام:
    - أعتقد أن الأمور باتت واضحة لك الآن يا علاء، لذا و بناء على ما سبق بالإضافة إلى إتقانك مهارة التعامل مع الخيول في خضم الأسابيع القليلة الماضية، رأينا أن نلحقك بمرتبة همام مباشرة دون المرور بمرتبة المبتدئين، وهكذا تستطيع اللحاق برفاقك في المستوى السادس الذين ترقى معظمهم إلى مرتبة مقدام من فترة وجيزة، فابذل جهدك واعلم أن الصدق والصبر، والحلم والأناة والتواضع والإخلاص بالإضافة إلى الشعور بالمسؤولية إلى جانب الشجاعة والقوة في الجسم وفي الإرادة ؛ أمور هامة، على الفارس الناجح التحلي بها..
    ثم التقط نفسا قبل أن يتابع :
    - والآن نهنئك يا علاء بهذا القبول في مدرسة النصر للفروسية، و سيريك المشرف عاطف غرفتك الجديدة ويطلعك على برنامج المدرسة وتعاليمها..
    ترقرقت دمعة في عيني علاء وهو يردد:
    - الحمد لله..
    واستأذن وهو ينهض من مكانه ليؤدي سجدة شكر لله، شعر فيها بعجزه الشديد عن أداء حق الشكر لخالقه الجواد الكريم المنان..


    ***


    استأذن علاء المشرف عاطف بمرافقة عماد أثناء توجهه لبوابة المدرسة وابتدره بقوله:
    - لقد أتقنت دورك جيدا يا أستاذ عماد!
    ابتسم عماد لتلك النبرة الجادة:
    - لا داعي لهذا التكلف فنحن ما زلنا أصدقاء، واعذرني إن لم أكن واضحا معك يا صديقي الصغير؛ فهذا واجبي..
    لكن علاء تابع:
    - هذا يعني أن كل ما حدثتني به من نسج خيالك؟
    فهز عماد رأسه نفيا:
    - كلا يا علاء، أنا لم أكذب عليك إطلاقا وجميع ما حدثتك به صحيح، باستثناء ما وصفت به مدرسة النصر بداية بحكم الاختبار وقد اعترفت بذلك آنذاك..
    ثم أطرق متابعا:
    - لقد كنتُ فعلا سيئا في البداية، ورُفضتُ من مدرسة النصر- للعمل بها- لكن إصرار والدي، ودعاء والدتي لي غيرا من مجرى حياتي الكثير بفضل الله، وها أنا ذا أبذل جهدي الآن لمساعدة المدرسة بقدر استطاعتي، وقد أصبحت مصدر ثقة لديهم بفضل الله، مثل الفلاح ربيع، وغيرنا كثيرون ممن يهمهم النهوض بأمتنا من براثن الهلاك لتكون كلمة الله هي العليا، ثم مد يده مصافحا:
    - عدني يا علاء أن تكون عند حسن ظننا بك، وتذكر أن فرصة عظيمة أتيحت لك لم تتح للكثيرين غيرك فابذل جهدك..
    كانت لتلك اللهجة الصادقة المؤثرة، المنبعثة من أعماق قلب غمره الإخلاص، أثرها العميق في نفس علاء، فشد على يديه بقوة:
    - أعدك بذلك وسأبذل أقصى جهدي، إن شاء الله..




    أسرع علاء باتجاه المشرف عاطف الذي كان ينتظره قرب غرفة المدير:
    – أرجو أن لا أكون قد تأخرت..
    فابتسم عاطف:
    - كلا يا بني، والآن سآخذك إلى غرفتك في الطابق الثالث، ستكون جولة مفيدة في التعرف إلى المدرسة..
    ثم أشار بيده باتجاه الطرف البعيد من الدهليز الطويل الممتد على يسار غرفة المدير قائلا:
    - سنصعد ذلك الدرج في آخر الممر..
    فالتفت علاء إلى الدرج القريب خلفه على يمين غرفة المدير بنظرة متسائلة، فتابع عاطف موضحا وقد فهم قصده:
    - هذا الدرج غير مخصص للطلبة هنا، هيا بنا يا علاء، ستتعرف الى قاعات الدراسة في هذا الطابق ايضا..
    تبع علاء عاطف وهو يتأمل اللوحات المعلقة على الجدار، بدا الممر هادئا رغم بعض الاصوات الخفيفة التي تدل على وجود دروس خلف الابواب المغلقة. أشار عاطف بيده الى أحدها قائلا:
    - هذه قاعة الدراسة للمستوى السادس..
    لم يكد عاطف يتم جملته حتى شعر علاء بتعرق واضح وتسمر مكانه للحظات يتأمل تلك القاعة المغلقة التي ستفتح له الافاق، حاول أن يرخي سمعه لعله يلتقط شيئا لكنه لم يسمع سوى جلبة خفيفة تدل على نقاش شائق في درس ممتع؛ او هكذا خيل اليه، حتى انتبه الى صوت عاطف وهو يحي المعلم الذي خرج من خلف أحد الأبواب التي فتحت للتو، ليتبعه عدد من الطلبة بقلانس بيضاء ناصعة بدوا أصغر سنا من علاء. التفت عاطف الى علاء وهو يقدمه للمعلم قائلا:
    - هذا هو الطالب الجديد الذي التحق بالمستوى السادس بمرتبة همام، علاء نور الدين..
    ثم وجه كلامه لعلاء معرفا:
    - المعلم برهان، سيدرسك علم الحياة وعلم الطبيعة والفلك..
    ورغم ما يبدو على المعلم من ارهاق وهو يرفل في عمامته البيضاء المغبرة قليلا من الجانب الايمن، عوضا عن شحوب بدا في وجهه وأسفل عينيه، الا انه ابتسم ابتسامة هادئة وهو يصافح علاء ويشد على يديه مرحبا:
    - اهلا بك يا بني، ارجو ان تشحذ همتك في تعويض ما فاتك، فما زلنا في البداية، وقد اثبتّ جدارتك بالامتحان فأنت أهل لذلك يا علاء..
    سعد علاء كثيرا بمصافحة المعلم برهان، وشعر بحماسة اضافية تلهب مشاعره جراء كلماته:
    - باذن الله سأكون عند حسن ظنك يا معلمي..
    كانت المرة الاولى التي يرى فيها علاء الطلبة وهم يخرجون مجتمعين باتجاه ساحة المدرسة، ولاحظ عاطف اهتمامه- وهو يسير معه في الممر الطويل باتجاه الدرج- فعلق قائلا:
    - هؤلاء طلبة المستوى الرابع، وجميعهم من مرتبة المبتدئين لذا تراهم بالقلانس البيضاء..
    لم يدرك علاء تماما ما الذي قصده المشرف عاطف بقوله، ولم يسأله عن ذلك اذ استوقفته لوحة كبيرة معلقة على الحائط لفتت نظره، حتى ان عاطف نظر اليه متسائلا:
    - توجد واحدة مثلها مقابل غرفة المدير، الم تنتبه لها هناك؟
    هز علاء رأسه نفيا وقد بدأ يشعر بالالفة تجاه المشرف عاطف:
    - هذه اول مرة ارى مثل هذه اللوحة الغريبة الرائعة! تبدو معقدة بعض الشئ اليس كذلك يا معلمي؟
    ثم هتف فجاة كمن انتبه الى شئ ما:
    - هناك خطوط و كتابات داخلها ايضا!! كيف لم انتبه لها في البداية؟
    فابتسم عاطف موضحا:
    - هذه اللوحة مخطط تفصيلي لمراتب المدرسة ومستوياتها برموزها والوانها، تستطيع ان تتأملها فيما بعد يا علاء اما الان فهيا بنا..
    بدت الدهشة واضحة على وجه علاء؛ اذ لم يخطر بباله قط ان يكون مخطط المدرسة بهذا الشكل، وود لو انه تفحصه ليعرف أكثر عن نظام المدرسة ومستوياتها، لكن المشرف عاطف بدا مستعجلا فتبعه مستسلما.
    اشار عاطف الى باب على الجانب الايسر من الممر أمامهما قائلا:
    - هذه قاعة المكتبة يا علاء، تستطيع زيارتها في اي وقت تشاء، وستجد قيّم المكتبة نوح على أهبة الاستعداد لتقديم يد العون دائما..
    وفي تلك اللحظة فُتح باب المكتبة وخرج منها طالبان بعمائم رمادية، أحدهما بدا مميزا بسحنته المائلة للسمرة مع عينين خضراوين واسعة، حيوا المشرف عاطف الذي بادلهم التحية بدوره داعيا لهما بالتوفيق ثم التفت الى علاء قائلا:
    - هؤلاء من افضل الطلبة في المستوى الخامس ومن مرتبة همام مثلك يا علاء، ستقابلهم في التدريب ان شاء الله..
    التفت علاء الى الخلف يتابعهما بنظرات متفحصة وهما يتابعان طريقهما في الدهليز باتجاه باب المدرسة الخارجي، ويحدث نفسه:
    - أرجو أن يكونا طيبين!
    وما ان وقع بصره على الواجهة الزجاجية للمكتبة - على يده اليسرى- والتي اظهرت رفوف الكتب الكثيرة التي لم يشهد علاء مثلها من قبل، حتى هتف:
    - ماشاء الله!!
    أومأ عاطف برأسه ايجابا وقد سره انبهار علاء، فتابع موضحا:
    - هذا ما يبدو لك من الواجهة الزجاجية فقط، وعندما تدخلها سترى أعداد الكتب الهائلة فيها، فالمدير شامل حريص جدا على تزويدها بكل ما يفيد رغم صعوبة الحصول على الكتب غالبا، لا سيما وأن العديد منها لا يتوافر الا في مركز المكتبات الرئيس في المنطقة، حتى انه استأجر ناسخا خاصا ينسخ الكتب لصالح المدرسة، وخصص مبلغا كبيرا من المال لأجل ذلك، هذا بالاضافة الى الكتب التي يحضرها اثناء تجواله في المناطق والممالك المختلفة، جزاه الله خيرا كثيرا، والحمد لله إذ أصبحت مكتبتنا مرجعا للعديد من طلبة العلم والمهتمين من خارج المدرسة ايضا..
    واستدرك عاطف فجأة:
    - لقد استطردت كثيرا في الحديث عنها، على كل حال، سيساعدك القيم نوح في التعرف عليها بشكل أفضل..
    كان علاء يدرك تماما مقدار الجهد المبذول من أجل مكتبة ضخمة كهذه، فحتى مجمع المكتبات الرئيس في مدينته لم يكن يحوي أعداد هذه النسخ الكثيرة.
    قطع علاء مع عاطف ثلثي الدهليز تقريبا وعيناه معلقتان بالواجهة الزجاجية للمكتبة حتى وصلا بابها الثاني القريب من الدرج، عندها لم يتمالك علاء نفسه من إبداء ملاحظته:
    - لم أتخيل أنني سأرى مكتبة بهذه الضخامة!
    لكن عاطف أشار إلى الباب المقابل لذلك الباب على يده اليمنى قائلا:
    - هذه قاعة التجارب العلمية، لا شك انك ستستمتع بإجراء التجارب فيها مع المعلم برهان بإذن الله..
    وأخيرا وصلا نهاية الدهليز المؤدي للدرج، وقبل أن يصعداه، لفت نظر علاء باب حديدي صغير أحكم إغلاقه بالمزاليج وعدد من الأقفال الحديدية يقبع في الزاوية المخفية خلف الدرج، وكأنه يؤدي إلى قبو فسيح، أو هكذا خيل لعلاء، لكن عاطف لم يشر له بشيء بل تابع طريقه صاعدا الدرج بخطوات ثابتة.
    تابع علاء طريقه خلف المشرف عاطف وعلامات الانبهار بالممرات الواسعة النظيفة اللامعة لا تفارق عينيه. وقف عاطف ومعه علاء على أول الممر في الطابق الثاني القريب من الدرج مشيرا إلى الأبواب على جانبي الممر قائلا:
    - هذه غرف ومكاتب المعلمين والمدربين والعاملين في المدرسة..
    ثم أشار إلى باب بدا مختلفا في تصميمه واتساعه عن الأبواب الأخرى، يقع على الناحية اليسرى عند الطلوع من الدرج قائلا:
    - هذه قاعة الطعام، عليك الالتزام بالحضور، خاصة على موعد الإفطار الجماعي..
    ثم صعدا الدرج إلى الطابق الثالث، وبعد أن تجاوزا ثلاثة أبواب في الممر على جانبهما الأيمن، وقف أمام باب طرق عليه ثلاث مرات قبل أن يفتحه، ليطلا على غرفة متوسطة الاتساع بها ثلاثة أسرة.
    فسح عاطف المجال لعلاء كي يدخل قائلا:
    - تفضل، هذه غرفتك يا علاء..
    وخمن علاء السرير المعد خصيصا له؛ إذ بدا واضحا أنه أُضيف مؤخرا للغرفة عوضا عن كون آثار زميليه في الغرفة واضحا على السريرين الآخرين، ولم يخف على عاطف ملاحظة نظرات علاء المتفحصة للسريرين، فعلق مازحا:
    - هل حدثتك الأسرة بشيء عن صاحبيهما؟
    عندها أسرع علاء بصرف بصره وقد احمرت وجنتاه وهو يقول:
    - كنت أحاول التخمين فقط، وأظن أن صاحب هذا السرير منظم جدا، أما الآخر فيبدو بسيطا للغاية!
    عندها بدت علامات الإعجاب بوضوح على وجه المشرف عاطف وهو يقول:
    - فراستك في محلها ما شاء الله..
    ثم أشار إلى السرير القريب من النافذة:
    - ستكون مسئولا عن ترتيب سريرك وتنظيفه، فاهتم به جيدا، كما ستقوم مع رفاقك بغسل ملاآتكم الخاصة بكم مرة في الأسبوع على الأقل، فالنظافة من الايمان، وهي ضرورية للفارس النبيل..
    واتجه نحو خزانة خشبية بها عدد من الأدراج، فتح أحدها ليخرج ثيابا بيضاء ناصعة، طويت بعناية، مع قطعة قماش رمادية قدمها لعلاء قائلا:
    - هذا درجك و سترتدي هذه الثياب الخاصة بالمدرسة من الغد إن شاء الله..
    ثم أشار إلى الرف الثالث من الرفوف المثبتة بالجدار، الزاخرة بعدد من الكتب والأقلام والكراريس، موضحا:
    - وهذه كتبك وأدواتك التي تحتاجها في الدراسة..
    وتابع وهو يتناول لائحتين من فوق الرف:
    - هذه لائحة الدروس والتدريبات في المدرسة، وهذه اللائحة الخاصة بأوقات الدروس في المستوى السادس وتدريبات مرتبة همام خلال الأسبوع، اطلع عليهما لتستعد للغد إن شاء الله..
    ثم اتجه نحو باب الغرفة خارجا منها وهو يقول:
    - تصرف على راحتك فالغرفة غرفتك..
    لكنه توقف مستدركا- قبل أن يغادر:
    - هناك قاعة كبيرة في نهاية الممر للدراسة، وفقك الله..
    فشكره علاء بأدب:
    - جزاك الله خيرا، أعدك أنني سأكون عند حسن ظنك إن شاء الله..
    وما إن أغلق عاطف الباب خلفه حتى أخذ علاء يتأمل اللوائح بتمعن:





    بعدها تأمل علاء لائحة أوقات الدروس للمستوى السادس صباحا، ومرتبة همام ظهرا، وهو يدقق النظر في دروس الغد الاثنين:
    "فترة الصباح: القرآن وعلومه/الحديث وعلومه/ علم الحياة/علم الحساب/ الحوادث والأيام/لغة العرب/لغة رامان.
    فترة الظهيرة: ركوب الخيل/ الرمي بالأقواس."
    ثم التقط نفسا عميقا واستلقى على سريره، بعد أن وضع ثياب المدرسة على طرفه، وتأمل السريرين مرة أخرى محدثا نفسه:
    - ترى، من هو صاحب هذا السرير المرتب بعناية فائقة!! أي نوع من الفتيان هو!! هل تراه مغرورا؟ هل هو صديق للآخر!! و هل سيتقبلان وجودي بينهما!!
    أغمض علاء عينيه قليلا:
    - هذه هي البداية..بداية الطريق فقط، أعني يارب.. أمي أبي اطمئنا، أعدكما أن تعبكما معي لن يضيع هباء ولا سدى، و سأبذل قصارى جهدي بإذن الله..
    وشعر برهبة سرت على أثرها قشعريرة في جسده، فهب واقفا باتجاه النافذة. شعر بسعادة غامرة لكونها تطل على واجهة المدرسة الأمامية، فاستطاع رؤية جامع الفتح من بعيد، ثم لمح عدنان وهو يجر عربة التبن باتجاه الإسطبل الذي استطاع رؤية جزء منه من مكانه. فأسرع لتوه خارجا من الغرفة..
    استعد عدنان للعودة إلى منزله مع غروب ذلك اليوم الجميل، وهو سعيد بنجاح صديقه، وما إن خطا خارج الإسطبل حتى فوجئ برؤية علاء أمامه، فسأله بدهشة:
    - ألم تذهب إلى غرفتك؟
    فأومأ علاء برأسه إيجابا:
    - بلى، ولكنني لم أشأ البقاء فيها وحدي، فزميلاي في الغرفة لم يعودا بعد..
    فسأله عدنان باهتمام:
    - وهل عرفت من هما؟
    هز علاء رأسه نفيا:
    - ليس بعد، أتمنى أن يكونا طيبين، ويتقبلا وجودي معهما!
    فابتسم عدنان مطمئنا:
    - لا تقلق من هذا الشأن ، فالطلبة هنا يتفاهمون بسرعة بفضل الله، إنهم كالأخوة..
    فابتسم علاء بدوره:
    - أرجو ذلك..
    فتابع عدنان مشجعا:
    - ستبدأ غدا دروسك الأولى إن شاء الله، فاحرص أن تأخذ قسطا كافيا من الراحة..
    لكن شرود علاء أوقفه عن المتابعة، فسأله باهتمام:
    - ما الذي دهاك يا علاء، ألست سعيدا بالتحاقك بالمدرسة بعد ذلك الجهد والعناء؟
    - بلى يا صديقي وإنني أحمد الله على هذه النعمة العظيمة .. ولكن هناك أمر يحيرني بشأن هذه المدرسة..
    بدا الاهتمام واضحا على وجه عدنان وهو يسأله:
    - أخبرني ماذا هناك ؟
    أطرق علاء مترددا:
    - في الحقيقة لا أعرف إن كان من حقي السؤال!!
    فحثه عدنان على المتابعة وقد بدأ الفضول يسيطر عليه:
    - هيا يا صديقي، أخبرني بما يحيرك ولا تخفِ عني شيئا، فهذا أفضل من أن تبقى أسير أفكارك..
    عندها انفرجت أسارير علاء وهو يقول:
    - أنت على حق يا صديقي.. إنني متعجب فقط؛ فالمسئولون هنا لا يأخذون مالا مقابل ما يقدمونه لنا، فكيف يسددون احتياجات المدرسة الكثيرة!! لقد أذهلني بناؤها الضخم والإعدادات الهائلة المزودة بها، لا سيما تلك المكتبة الضخمة التي لم أر مثلها من قبل، ما شاء الله..
    عندها شعر عدنان بارتياح، بعد أن اطمأن على صديقه، فأجاب مفسرا:
    - لا تنس أن والد المدير شامل السيد شاهين كان من أقرب المقربين للحاكم، عوضا عن ثرائه البالغ. تستطيع القول إن معظم الأراضي والحقول في المنطقة كانت تحت سيطرته ومن ضمن ممتلكاته، ويقال أنه كان ظالما مستبدا كغيره ممن هو في مثل منصبه، لذا لم يثق الناس فيه بداية عندما بدأ بإقامة المدرسة، لكن حرصه على إعادة المظالم لأهلها في نهاية حياته وإغداقه الأموال على الفقراء، جعل الناس يتخلون عن تلك الفكرة شيئا فشيئا لا سيما وأن ابنه الذي تسلم زمام الأمور من بعده، اشتهر بورعه وتقواه، وهكذا فإن ريع تلك الممتلكات يصرف لصالح المدرسة.. وقد بارك الله فيها..
    ثم التقط نفسا قبل أن يتابع همسا:
    - يقال أن سبب تغير حاله تلك؛ دعوة عجوز فقيرة رق لحالها على غير عادته.. وأي كان، فالله على كل شئ قدير..
    ردد علاء متأثرا:
    - رحمه الله، اللهم اجعل عمله هذا خالصا لوجهك الكريم واقبله صدقة جارية له إلى يوم القيامة واغفر له ما قد سلف..
    وأمن عدنان على دعائه:
    - اللهم آمين..
    في تلك اللحظة ارتفع صوت أذان المغرب من جامع الفتح، فذهبا معا، ليقرر علاء بعدها البقاء في الجامع حتى صلاة العشاء، فقد كان بحاجة لخلوة يخلوها مع ربه، قبل أن يبدأ مرحلة جديدة وهامة في حياته..


    ***********

    ها هو علاء قد التحق أخيرا بمدرسة النصر للفروسية، ليبدأ مرحلة هامة من حياته.. فكيف سيكون يومه الأول فيها؟ ومن هم رفاقه؟
    وهل سيتقبل الأساتذة والمدربين وجوده بينهم، والتحاقه المباشر بمرتبة همام؟
    وما هي أخبار "المروج الخضراء"؟

    أنتم على موعد مع شخصيات جديدة ولامعة من مدرسة النصر للفروسية، إن شاء الله.. فتابعونا (:

    ولا تنسونا من صالح دعائكم

    وصل اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

    آآآه كمآ توقعت عمآد معهم ^^
    لكني بصرآحة لم أتوقع أن يكون عدنآن معهم
    -.-
    واااو فرحت بفرحة علآء شعور جميل
    :>
    أعتقد أن زميلآه سيكونآن حسآم وطلآل أو حسآم وزيد
    >.^



    أحبكم جميعًا

    .
    .
    .






المواضيع المتشابهه

  1. هدية العيد من "مدرسة الفروسية" (:
    بواسطة alfurussiah في المنتدى مغامرات
    مشاركات: 7
    آخر مشاركة: 06-10-2019, 03:38 PM
  2. الفائزة النهائية في مسابقة "حلقة بحث"
    بواسطة danomonitor في المنتدى تاريخ
    مشاركات: 11
    آخر مشاركة: 08-08-2015, 08:45 PM
  3. الفائزة النهائية في مسابقة "حلقة بحث"
    بواسطة danomonitor في المنتدى أكشن
    مشاركات: 28
    آخر مشاركة: 08-08-2015, 03:06 AM
  4. الفائزة النهائية في مسابقة "حلقة بحث"
    بواسطة danomonitor في المنتدى زمردة
    مشاركات: 18
    آخر مشاركة: 08-06-2015, 09:20 PM
  5. مشاركات: 0
    آخر مشاركة: 04-20-2012, 03:56 PM

الكلمات الدلالية لهذا الموضوع

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •